-
الطاهر المعز- من تداعيات الحرب التجارية

من تداعيات الحرب التجارية – 1 : الطاهر المعز
أعلنت المديرة العامة لصندوق النقد الدّولي، يوم الخميس 17 نيسان/ابريل 2025 إن تصاعد التوتر التجاري، والتحولات الجذرية في نظام التجارة العالمية، سيؤديان إلى خفض التوقعات الاقتصادية للصندوق وإلى تخفيضات ملموسة في معدلات النمو الاقتصادي، حيث تؤدّي الرسوم الجمركية الأمريكية إلى ضبابية « غير مسبوقة » في السياسة التجارية وتقلبات شديدة في الأسواق المالية وفي عوائد سندات الخزانة الأمريكية، وأثارت ردود فعل من الصين والاتحاد الأوروبي اللَّذَيْن اتخذا إجراءات مُضادّة، مما قد يُفضِي إلى إعادة تشكيل نظام التجارة العالمية وإلى اضطرابات مُكلفة مع احتمال ارتفاع التضخم في بعض الدول، كما خفضت منظمة التجارة العالمية توقعاتها لحركة التجارة الدّوْلية للسلع ( يوم الإربعاء 16 نيسان/ابريل 2025) بسبب زيادة الرسوم الجمركية الأميركية وامتداد تبعاتها وتأثيراتها وما قد يترتب عليها من ركود هو الأَشَدّ منذ ذروة جائحة كوفيد-19، وتوقعت المنظمة انخفاض تجارة البضائع بنسبة قد تصل إلى 1,5% سنة 2025، مما يُخفض نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكل عام، في ظل امتداد المخاوف إلى الأسواق المالية وإلى قطاعات اقتصادية عديدة وخصوصًا في « الدّول النامية » فضلا عن مخاطر فك الارتباط بين الاقتصادين الأميركي والصيني، والعواقب الوخيمة التي تنتج عن ذلك مثل احتمال انكماش الناتج الإجمالي العالمي بنسبة 7% في الأمد البعيد، وفق ما نقلته وكالة رويترز ( 17/04/2025) وأوردت وكالة الصحافة الفرنسية يوم الإربعاء 16 نيسان/ابريل 2025، ملخصًا لتقرير منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية ( أونكتاد) يُحذّر من تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى 2,3% « بسبب التوتر التجاري وحالة الضبابية التي تدفع باتجاه الركود »…
أدّت قرارات الرئيس الأمريكي إلى زيادة مشاعر الغضب ضد سياسات الولايات المتحدة، وتعدّدت دعوات مُقاطعة الإنتاج الأمريكي في كندا بسبب إلى رغبة ترامب في جعل كندا الولاية الأميركية رقم 51، وفي دانمارك بسبب التهديد بالإستحواذ على غرينلاند القريبة من أمريكا الشمالية ولكنها تابعة للدانمارك، وتتمتع بحكم ذاتي، كما انتشرت دعوات المقاطعة في فرنسا والسويد وألمانيا ودول أوروبية أخرى، حيث بدأ الشباب بتنظيم حملات عبر منتديات مثل « ريديت » (Reddit) وشبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى للترويج للبضائع والصناعات الأوروبية ومقاطعة المنتجات الأميركية، وهي حملات شوفينية في معظمها، ولا تقاوم الرأسمالية والإمبريالية ( الأوروبية والأمريكية)، وتشكل ردود فعل على قرارات السلطات الأمريكية، وقام عشرات الآلاف من الشباب الأوروبي بإطلاق منتدى « اشتر من الاتحاد الأوروبي » (BuyFromEU)، إلى جانب دور موقع « غو يوربيان دوت أورغ » (GoEuropean.org) في الترويج للمنتجات الأوروبية، التي تشكل بديلا للمنتجات الأميركية، بهدف « دعم الاقتصاد المحلي من دون التأثير السلبي على سوق العمل » لأن العديد من الشركات الأميركية تمتلك خطوط إنتاج في أوروبا…
جاءت ردود الفعل غير المُنْتَظَرَة من ألمانيا – أهم حليف للإمبريالية الأمريكية في أوروبا – حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين أمريكا وألمانيا 273 مليار دولارا، سنة 2024، وحيث التغلغل الإيديولوجي الأمريكي والأطلسي كبير جدًّا، فقد تزايدت دعوات مُقاطعة السلع الأمريكية، واستبدل أحذية نايك، ذات المنشأ الأمريكي بأحذية أديداس ذات المنشأ الألماني، على سبيل المثال، وكلاهما شركة عابرة للقارات وتدعم الكيان الصهيوني وتستغل العُمال والعاملات في جنوب شرقي آسيا وفي أمريكا الجنوبية أبْشَع استغلال، أو استخدام موقع زالاندو للتسوق الإلكتروني بدلا من أمازون، والإقبال على سيارات فولكس فاغن بدلا من تسلا الخ وتعمد بعض « المُستهلكين » إزاحة المنتجات الأميركية من الرفوف داخل المتاجر الألمانية، في إشارة إلى رفضها، غير إن الحكومة الألمانية أعلنت رفضها مقاطعة المنتجات الأميركية، لأن ألمانيا « دولة تعتمد بشكل كبير على التصدير ولا تحتاج إلى مزيد من الحواجز التجارية، بل إلى تقليلها »، كما عارض رئيس اتحاد تجارة الجملة والخدمات الخارجية فكرة المقاطعة، « لأن الولايات المتحدة أصبحت – سنة 2024- الشريك التجاري الأول لألمانيا، متجاوزةً الصين، بحجم 273 مليار دولارا، منها 173,9 مليار دولارا من الصادرات ألألمانية إلى الولايات المتحدة »، وأظْهر استطلاع للرأي نشره معهد « يوغوف » يوم 28 آذار/مارس 2025، أن 52% من الأشخاص في ألمانيا لم يعودوا يرغبون في شراء السلع الأميركية.
من جهة أخرى، تتأثر الشركات الأمريكية بقرارات رفع الرسوم الجمركية، ويُتوقع ارتفاع تكاليف واردات شركات تصنيع السيارات الأمريكية بـ108 مليارات دولار سنة 2025، مما اضطر شركة فورد الأمريكية لصناعة السيارات إلى إعلان ( الإربعاء 16 نيسان/ابريل 2025) رفع أسعار سياراتها الجديدة، خلال شهر أيار/مايو 2025، إذا لم تخفض الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على السيارات، وأعلنت شركات صناعة السيارات الأميركية الأخرى إنها ستضطر إلى رفع الأسعار بوتيرة كبيرة إذا استمرت الرسوم الجمركية، وفق وكالة بلومبرغ…
تأثّر الدّولار كذلك بالرسوم الجمركية فانخفض سعره مقابل العملات الأخرى، فيما ارتفع سعر الذّهب ( كملاذ أكْثَرَ أمانًا من الدّولار) بنسبة 27% بين بداية كانون الثاني/يناير ومنتصف نيسان/ابريل 2025، وبلغ مستوى قياسيا ( 3359,5 دولارا للأوقية) لأن الذّهب يُعتَبَرُ وسيلة للتَّحَوُّط من ارتفاع التضخم الذي قد يرتفع ( إلى جانب البطالة) في الولايات المتحدة وفي العالم، بسبب التعريفات الجمركية الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة، وفق رئيس مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي ( المصرف المركزي)
تأثرت شركة « إنفيديا » لصناعة الرقائق الإلكترونية – كما العديد من الشركات الأخرى – بالقيود الأميركية الجديدة على تصدير بعض أنواع الرقائق إلى الصين، والتي ستكلف شركة إنفيديا خسارة بنحو خمس مليارات دولار،
تصدّر الصين إلى الولايات المتحدة سلَعًا بقيمة 440 مليار دولار، وتستورد منها سلعا وخدمات تعادل قيمتها 150 مليار دولار، ولذا فإن اقتصاد الصين يتعرض لأضرار كبيرة جراء ارتفاع الرسوم الجمركية الأمريكية إلى 145% لكن الحكومة الصينية قررت الرّد السريع وأوقفت طلبيات شراء طائرات إضافية من شركة « بوينغ » الأمريكية لصناعة الطائرات، ووَقْف مشتريات معدات وقطع غيار الطائرات من الشركات الأميركية، مما أدى إلى تراجع سهم بوينغ بشكل حاد في البورصة الأميركية، كما تعاني بوينغ من صعوبات مالية وأزمة مستمرة في مراقبة الجودة، وقررت الصين كذلك حظْر تصدير المعادن النادرة، وتُشير تقديرات مصرف « غولدمان ساكس » إن الصين قد تملك هامش مناورة أكبر على المدى الطويل، لأن الولايات المتحدة ستواجه صعوبة في استبدال 36% من وارداتها من الصين، في حين ستجد الصين صعوبة في استبدال 10% فقط من وارداتها من الولايات المتحدة التي شهدت أسواقها المالية تراجعا حادًّا طال الأسهم وسندات الخزينة والدولار الأميركي على حد سواء، مما يعني إن الدولار وسندات الخزانة الأمريكية لم تعد ملاذًا آمنا في أوقات الأزمات، وبدأت بعض الدّول تبحث عن بدائل تخفض اعتمادها على الدولار والأسواق الأمريكية، مما يُؤدِّي إلى إعادة تقييم للدور الأميركي في النظام المالي العالمي، واستهدفت الصين قطاع الخدمات الأمريكي – الذي تُعادل قيمة صادراته إلى الصين نحو 55 مليار دولارا سنويا ( بالإضافة إلى توسيع نطاق ضوابط التصدير للمعادن الأرضية النادرة، وهي معادن أساسية لصناعات حيوية كأشباه الموصلات وأنظمة الدفاع والخلايا الشمسية، وفتحت الصين تحقيقات لمكافحة الاحتكار تستهدف شركات أميركية بارزة مثل دوبونت و غوغل… ) وصنّفت الصين، منذ شهر شباط/فبراير 2025، عشرات الشركات الأميركية على قائمة « الكيانات غير الموثوقة »، مما يهدد بتقييد أو حظر تعامل هذه الشركات تجارياً أو استثمارياً في الصين، كما استهدفت الصين قطاعات السفر والخدمات القانونية والاستشارية والمالية الأمريكية، وهي قطاعات تحقق فيها الولايات المتحدة فائضاً تجارياً كبيراً مع الصين منذ سنوات، فضلا عن صادرات قطاعات السينما الأمريكية ومكاسب قطاعات الترفيه والسياحة والتعليم الأمريكية، حيث ينفق السائحون الصينيون بسخاء في الولايات المتحدة، فضلا عن الإنفاق المتعلق بالتعليم والرسوم الدراسية ونفقات المعيشة لأكثر من 270 ألف طالب صيني يدرسون في الولايات المتحدة، بحسب تقرير الشبكة الأميركية سي إن إن…
قد تؤدّي قرارات السلطات الأمريكية والأشكال المُتعجْرِفَة لتعاملها مع المنافسين والحُلفاء إلى تغيير المشهد الجيوسياسي والإقتصادي الدّولي وإلى إعادة صياغة قواعد جديدة للدّبلوماسية والعلاقات الإقتصادية والتجارية، وكانت الصين قد تهيّأت وبدأت إنجاز مبادرة « الحزام والطريق » منذ سنة 2013، بعد إعلان الرئيس الأمريكي باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون مُحاصرة الصين عسكريا بواسطة الأساطيل البحرية وإغلاق الممرات التجارية المائية التي تُعتَبَر شريانًا حيويا لاقتصاد الصين، وتمكنت الصين من الإلتفاف على الحصار الأمريكي، من خلال تعزيز علاقات الشراكة مع روسيا ومجموعة بريكس وأفريقيا وآسيا، وخفّضت الجمارك إلى صفر مع أكثر من 50 دولة، منها 33 دولة إفريقية، مما يحد من اعتمادها على السوق الأميركية، وتمكّنت الصين من تحسين العلاقات مع دول صديقة وحليفة للولايات المتحدة واخترقت الحصار التجاري الأميركي عبر دول وسيطة مثل ماليزيا وفيتنام لتصدير سلعها، ما دفع واشنطن إلى فرض عقوبات على هذه الدول، كما نجحت الصين في استخدام عملتها المحلية، اليوان، لتعزيز التبادل التجاري مع عدد من البلدان بما فيها دول الخليج العميلة للإمبريالية الأمريكية، مما قد يُهدّد الهيمنة المُطلقة للدّولار، على مدى بعيد، واستثمرت الصين في مجالات البحث العلمي والإبتكار والتّدريب والتّأهيل، ما أتاح نجاح شركات مثل هواوي ( الإتصالات) وشركات السيارات الكهربائية والطاقات المتجددة وما أتاح تطوير صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات، رغم الحصار الأمريكي والأوروبي وخرجت الصين منتصرة في المعركة التكنولوجية والإلكترونية وتعمل على تقويض الهيمنة الأمريكية على المؤسسات المالية الدّولية والتحويلات من خلال أدوات مالية مثل المصرف الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (AIIB) ومصرف بريكس ( مصرف التنمية الجديد – New Development Bank ) كخطوات صغيرة لتحجيم نفوذ للحد من الاعتماد على صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الواقعَيْن تحت السيطرة الأمريكية…

من تداعيات الحرب التجارية – 2
من القطاعات الإقتصادية المتضرّرة
قطاع صناعة السيارات
وصفت وكالة بلومبرغ دوافع زيادة الرسوم الجمركية الأمريكية ب »دوافع سياسية وتجارية » وليست ضرورة اقتصادية، ونشرت تقريرًا عن تأثيرات قرار فرض رسوم جمركية أمريكية جديدة بنسبة 25% على واردات السيارات، بداية من الثالث من نيسان/ أبريل 2025، واستنتجت وجود صدْمَةٍ خلقت « حالة من الفَوْضى والإرتباك في وكالات السيارات في الولايات المتحدة… (إذْ) دَفَع القرار عديدا من وكلاء السيارات المستعملة إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لمحاولة تغطية النقص الحاد في المخزون الذي قد يصل إلى 60%، وبدأت بعض الوكالات في الاتصال بزبائنها السابقين وعرض شراء سياراتهم المستعملة بأسعار أعلى مما دفعوه في الأصل، في محاولة يائسة لملء ساحات العرض الفارغة… » وكتبت وكالة بلومبرغ: « هذا الاضطراب بسوق السيارات الأميركي يُعيد إلى الأذهان المشهد الذي عاشه السوق خلال جائحة كورونا »، وشمل نقص المخزون كافة أنواع السيارات الجديدة مما دفع المستهلكين نحو سوق السيارات القديمة التي ارتفعت أسعارها إلى مستويات قياسية بنسبة وصلت إلى 12% في بعض الولايات، وسجلت بعض الطرازات، مثل « هوندا سي آر في الهجينة »، زيادة في الطلب بنسبة 18% منذ إعلان الرسوم الجمركية التي وصلت 145% على السلع الواردة من الصين، ومن بينها السيارات التي تصنعها الشركات الأمريكية في الصين، وقطع الغيار القادمة من الصين، وتمثّل ردّ الصين في فرض رسوم تصل إلى 125% على جميع البضائع الأميركية بداية من يوم 12 نيسان/ابريل 2025، واضطرت شركات مثل « تسلا » لوقف طلبات الشراء في الصين لسياراتها الكهربائية من طِرَازَيْ « مودل إس » و »مودل إكس » اللذين يُصنعان في الولايات المتحدة، مما أدّى إلى تراجع كبير في المبيعات وإرباك لدى العديد من الشركات الأخرى، وأعلن ناطق باسم شركة « تسلا » إنها تخشى من استمرار تآكل قدرتها التنافسية في الأسواق الدولية، في وقت تسعى فيه الصّين لتوسيع صادراتها من السيارات الكهربائية المصنعة محليا.
خلقت الرسوم الجمركية المفروضة مؤخرا على الصين – والتي تصل إلى 145% في بعض المنتجات – أثرًا اقتصاديًّا واسع النطاق واضطرابا كبيرًا في سلاسل التوريد، خصوصًا في بعض القطاعات ومن بينها قطاع السيارات الأميركية، فضلا عن التقلبات بالأسواق التي قد تتفاقم خلال الأسابيع المقبلة، إذا لم يتم التوصل إلى حلول دبلوماسية أو تعليق إضافي للرسوم، بعد التعليق المؤقت لمدة تسعين يوم، ورغم التهدئة المؤقتة لا تزال المخاوف قائمة من العودة إلى فرض الرسوم بكامل قوتها بعد انتهاء فترة التعليق، حسبما نقلت بلومبيرغ عن مسؤولين في وزارة التجارة الأميركية.
كان دونالد ترامب يهدف أن تدفع سياسته الشركات إلى إعادة توجيه استثماراتها داخل الولايات المتحدة على مدى متوسط وبعيد، وتقليص العجز التجاري مع الشركاء الرئيسيين مثل الصين والإتحاد الأوروبي، غير إن الأثر الفَوْرِي تمثّل في ارتفاع أسعار السيارات وتراجُع الطّلب، مما يؤثر سلبًا على دخل أصحاب الوكالات والبائعين الذين يعيشون على عمولات البيع، ويتخوفون من أن يُؤدّي الحذر والخوف إلى توقف الأميركيين عن شراء السيارات أو استبدالها.
يَتَوَقّع مركز أبحاث السيارات ( ميشيغان – الولايات المتحدة) أن تُؤَدِّي الرسوم الجمركية على مستوردات السيارات إلى ارتفاع التكاليف على الشركات الأميركية بنحو 108 مليارات دولار سنة 2025، مما دَفَع شركات صناعة السيارات الأمريكية إلى السّعْيِ لابتكار طرق التعامل مع الرسوم الجمركية التي سوف تؤثر على أرباح شركات صناعة السيارات وموردي قطع الغيار، وأعلنت شركة « فورد » (أكبر شركات صناعة السيارات الأميركية) اعتزامها رفع أسعار بعض أنواع المركبات إذا لم تُلغَ الرسوم الجديدة، وأوقفت شحن سيارات الدفع الرباعي والشاحنات الصغيرة والسيارات الرياضية الى الصين، بسبب زيادة الرسوم الجمركية الصينية المضادة التي ارتفعت نسبتها إلى 150%، بينما أكّدت « فولكس فاغن » (العملاق الألماني) عدم تغيير الأسعار الحالية حتى نهاية شهر أيار/مايو 2025، وقد ترفع الأسعار بعد ذلك « لتعويض ارتفاع تكاليف التصنيع »، واضطراب إمدادات قطع الغيار…
يتضمن تطبيق رفع الرسوم الجمركية بعض « الأضرار الجانبية » ومن بينها تعديل سُلُوك المُواطنين الأمريكيين الذين اعتادوا على الإستهلاك المفرط ( باستثناء الفقراء) والإقتراض لشراء سيارة أو تجهيزات منزلية أو مسكن، وأدّى ارتفاع أسعار السلع المستورة ( كالسيارات وقطع الغيار) إلى تغير سريع في سلوك الإستهلاك لذوي الدخل المتوسط والمحدود، وتغيير الأوْلَوِيّات وتأجيل قرارات طلب قَرْض لشراء مسكن أو سيارة…
رغم الإضطراب ورغم الإنطباع السّلبي لأغلبية المواطنين وتنظيم احتجاجات في معظم المدن الكبرى الأمريكية، احتجاجًا على السياسات الإقتصادية لإدارة دونالد ترامب ( تسريح عشرات الآلاف من الموظفين واستهداف قطاعات التعليم والصحة والخدمات الإجتماعية، من خلال تقليص ميزانياتها، مقابل زيادة الإنفاق الحربي…) دعمت بعض نقابات الأُجَراء، أهَمُّها اتحاد عمال السيارات « يو إيه دبليو » (UAW). قرار فرض الرسوم وصرّح رئيس الاتحاد، شون فاين، بأن « الرسوم الجمركية أداة فعالة لدفع الشركات للإستثمار في العمالة الأمريكية وإعادة الوظائف إلى الولايات المتحدة… »، خلافًا لِرَأي العديد من الاقتصاديين الذين حذَّرُوا الأضرار التي تلحق ذوي الدّخل المتوسّط والمحدود جرّاء السياسات الحمائية التي تُؤَدِّي إلى الإحتكار بفعل تقلُّص المنافسة، وإلى ارتفاع الأسعار، وكان معهد « بيترسون » قد نَشَرَ دراسةً سنة 2018 ( خلال فترة الرئاسة الأولى لدونالد ترامب) تُشير إلى أن هذه السياسات الحمائية قد تُحدث نتائج عكسية، وأن فرض رسوم بنسبة 25% على واردات السيارات وقطع الغيار قد يؤدي إلى فقدان نحو 195 ألف وظيفة خلال عام واحد فقط، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع الطلب.
المعادن النادرة
خَطّطت الصين – منذ سنوات عديدة – إلى الهيمنة على سلسلة توريد المعادن الأرضية النادرة – وهي مجموعة من 17 عنصراً أكثر وفرة من الذهب ويمكن العثور عليها في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة غير إن استخراجها ومعالجتها مُكلّفان ومُلوّثان للبيئة، وتحتوي جميع المعادن الأرضية النادرة على عناصر مشعة، مما يدفع معظم الدّول الرأسمالية المتقدمة إلى العزوف عن إنتاجها – لتصبح اليوم من أقوى أسلحة الصّين في الحرب التجارية التي أطْلَقَها رئيس الولايات المتحدة، وتُسْتَخدَم المعادن النادرة في تصنيع وتشغيل الهواتف « الذّكية » وجميع التجهيزات الإلكترونية والسيارات الكهربائية، وأعلنت الصين فَرْضَ قيود، من بينها حصول الشركات على إذن حكومي قبل تصدير هذه المعادن النادرة المُعالَجَة وبعض المنتجات المرتبطة بها مثل المغناطيسات التي كانت الولايات المتحدة ودول أخرى تعتمد على إمدادات الصين منها وتُستَخْدَم المغناطيسات في صُنْعِ محركات ومولدات أصغر وأكثر كفاءة، وصنع الهواتف « الذكية » ومحركات السيارات والطائرات، وأجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، وصُنْعِ مجموعة من الأسلحة المتطورة، من مقاتلات الشبح – إف 35 – الأمريكية التي تمول الدّول الأوروبية تصنيعها في إطار حلف شمال الأطلسي، وكذلك الغواصات النووية الهجومية، كتلك التي تبيعا ألمانيا إلى الكيان الصهيوني بنسبة 65% من سعرها فيما يتحمل دافعو الضرائب في ألمانيا ( بما فيهم المهاجرون العاملون في ألمانيا ) ثُلُثَ ثمنها…
تقدر الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إنتاج الصّين من المعادن النادرة المُعالجة بنحو 61% من الإنتاج العالمي وتُسيطر الصين على نسبة 92% من عمليات تَنْقِيَتِها، ولذلك فهي تمتلك القُدْرَة على
التّحكّم في سلسلة إمدادات المعادن الأرضية النادرة ولديها القدرة على تحديد الشركات التي يمكنها استلام الإمدادات من هذه المعادن والتي لا يمكنها ذلك، وتتمثل معظلة الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في الإعتماد على الصين للحصول على هذه المعادن الثمينة، وكشف تقرير أمريكي أن الولايات المتحدة اعتمدت، بين سَنَتَيْ 2020 و2023، على الصين للحصول على 70% من وارداتها من جميع المركبات والمعادن الأرضية النادرة، أي أن القيود الجديدة قد تُعرقل العديد من القطاعات التي تستخدم المعادن الأرضية النادرة الثقيلة مثل صناعة الصواريخ والرادار والمغناطيسات الدائمة، وطائرات إف – 35 وصواريخ توماهوك، والطائرات الآلية (Predator) وهي معادن أساسية لصناعات حيوية كأشباه الموصلات وأنظمة الدفاع والخلايا الشمسية وغيرها، ويتطلب تنويع سلاسل الإمدادات وزيادة القدرات الأمريكية المحلية لمعالجتها وتنقِيَتها استثمارات كبيرة وجهود وتطورات تكنولوجية، مما يجعل تكلفة إنتاجها أعلى بكثير من استيرادها من الصين، وكان دونالد ترامب ومُستشاروه قد فَكَّروا في الموضوع، ولذلك يجري « التحقيق في المخاطر الأمنية الناتجة عن اعتماد الولايات المتحدة على استيراد هذه المعادن الحيوية من الصين »، بالتوازي مع الضغط على السلطات الأوكرانية للتوقيع على اتفاقية بشأن استحواذ الولايات المتحدة على المعادن، وبذلك يمكن تقليل الاعتماد على الصين، وما ينطبق على أوكرانيا ينطبق كذلك على غرينلاند القريبة جغرافيا من الولايات المتحدة، وهي جزيرة شاسعة قليلة الكثافة السكانية، وتتمتع بحكم ذاتي ضمن دولة الدّنمارك، وتحتوي أراضي غرينلاند على ثامن أكبر الإحتياطيات العالمية من المعادن الأرضية النادرة.قطاع الخدمات والسّفَر والسّياحة…
استخدمت الصين – في ردّها على الرّسوم الجمركية الإضافية التي فرضتها الولايات المتحدة – تقييد الحصول على المعادن النادرة و وفتح تحقيقات في مكافحة الاحتكار تستهدف شركات أميركية هامة مثل غوغل أو دوبوينت، وتقويض قطاعات مثل الطّيران ( عدم استلام المزيد من طائرات بوينغ الأمريكية ووقف مشتريات المعدات وقطع غيار الطائرات من الشركات الأمريكية – والتعليم والترفيه وقطاع الخدمات الأميركي عموما، والذي تتمتع فيه الولايات المتحدة بفائض تجاري هام مع الصين، وأدرجت الصّين – منذ شهر شباط/فبراير 2025 – عشرات الشركات الأميركية على قائمة « الكيانات غير الموثوقة »، مما يهدد بتقييد أو حظر تعامل هذه الشركات تجارياً أو استثمارياً في الصين، وأدرجت شركات مثل « شيلد إيه آي » و »سييرا نيفادا » على قائمتها السوداء بسبب تعاونها مع تايوان، وحثت وسائل الإعلام الصينية على تجنب استخدام التكنولوجيا الأميركية.
استهدفت الصين كذلك مجالات السفر والخدمات القانونية والاستشارية والمالية، وهو قطاع تحقق فيه الولايات المتحدة فائضاً تجارياً كبيراً مع الصين منذ سنوات ( قُدٍّ الفائض لصالح الولايات المتحدة ب32 مليار دولارا سنة 2024)، كما أعلنت الصين خفض واردات الأفلام الأمريكية، وحذّرت المواطنين الصّينِيِّين من السفر أو الدراسة في الولايات المتحدة، وحرمان قطاع الفنادق والسفر من إنفاق ملايين السياح الصينيين في الولايات المتحدة، ومن الرسوم الدّراسية والإنفاق المتعلق بالتعليم ونفقات المعيشة لأكثر من 270 ألف طالب صيني يدرسون في الولايات المتحدة.
من تداعيات الرسوم الجمركية الأمريكية على الأسواق الدّولية
يُتوقّع أن تُؤَثِّرَ الحرب التجارية الأمريكية على اقتصاد كل من الولايات المتحدة والصين، وهما أكْبَر اقتِصَادَيْن في العالم، لكن التّأثير السّلبي يتجازوهما – في ظل العولمة الرأسمالية – حيث تعمل الولايات المتحدة على تغيير القواعد التي فرضتها على العالم قبل أكثر من عقدَيْن من خلال منظمة التجارة العالمية، وإعادة هيكلة الإقتصاد الدّولي والقطاعات الإستراتيجية مثل التكنولوجيا والصناعات العسكرية والزراعة، وفي ظل هذا التغيير لقواعد الاشتباك وتداعياته، عملت الصين من أكثر من عِقْد على امتلاك أدوات التنمية الخاصة بها، وإرساء وتدعيم مصالحها التجارية والإستراتيجية عبر « مبادرة الحزام والطريق » التي مكنت الصين من تعزيز شراكاتها مع روسيا وأفريقيا وآسيا، وخفّضت الجمارك إلى صفر مع أكثر من خمسين دولة، منها 33 دولة إفريقية، مما يحد من اعتمادها على السوق الأميركية، وربطت علاقات تجارية هامة مع دول آسيوية مثل ماليزيا وفيتنام، مكنتها من الإلتفاف على الحصار التجاري الأميركي وتصدير الإنتاج الصينِي، من خلال هذه البلدان، فضلا عن توسيع نطاق التبادل التجاري باستخدام العملة الصينية (اليوان) بدَل الدّولار، ومن خلال دعم مصرف بريكس والمصرف الآسيوي للتنمية، وتمكنت الصين من تطوير البحث العلمي والإبتكار عبر زيادة الإستثمار وتشجيع شركات صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه المواصلات، مما مَكّن شركة هواوي من التّفوّق على الشركات الأمريكية و »الغربية » رغم العراقيل الأمريكية والأوروبية…

من تداعيات الحرب التجارية – 3
تتضمن هذه الحلقة الأخيرة متابعة للتأثيرات المباشرة ( الآنية) للقرارات الأمريكية –أحادية الجانب – وردود فعل الصين، ومنها التّخلّص التّدريجي من السّندات الأمريكية والأضرار التي تلحق المستهلكين في العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تظاهر الآلاف من سُكّانها في معظم الولايات الأمريكية احتجاجًا على خفض الإنفاق الحكومي وتسريح الموظفين والقمع وما إلى ذلك وتدرس بعض الفقرات بعض النتائج الأخرى ومن ضمنها إعادة هيكلة الإقتصاد العالمي لصالح رأس المال الإحتكاري "الغربي"، وتتضمن هذه الورقة فقرتان – هما الأهم وفق وجهة نظري – بشأن بعض الإستخلاصات وبشأن موقع دول "الأطراف" ( أو "الجنوب العاللمي" ) من هذه الحرب التجارية وبعض الآراء بشأن التعاون الإقليمي بهدف الخروج من حالة التبعية إلى ما يُسمّى "التنمية المُستدامة"...
الآثار الأولى لِارتفاع الرسوم الجمركية الأميركية
يُعتبر خَفْض الصّين مشترياتها من البضائع والخدمات الأمريكية من النتائج الأولى المباشرة للحرب التجارية الأمريكية، ونشرت وكالة بلومبرغ الأمريكية، يوم الإثنين 21 نيسان/ابريل 2025 تقريرًا يُشير إلى خَفْض الصّين وارداتها من السلع الأمريكية بشكل حاد خلال شهر آذار/مارس 2025، وفي بعض الحالات إلى الصفر، اعتمادًا على بيانات الجمارك الصّينية، بسبب تصاعد الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وأوقفت الصين مشتريات الغاز الصّخري المُسَال ( الذي كان يُشكل 5% من واردات المحروقات الصينية)، والقمح الذي كان يُشكل 17% من واردات الصين من الولايات المتحدة، وكانت الصين قد فرضت رسوما جمركية إضافية على المنتجات الأمريكية، ردًّا على الحرب التجارية الأمريكية، وتراوحت هذه الرسوم الصينية، خلال شهر شباط/فبراير 2025، بين 10% و15% على واردات الطاقة، ورسوم مشابهة خلال شهر آذار/مارس 2025 على المنتجات الزراعية الأمريكية، وتتوقع وكالة بلومبرغ أن تتراجع مشتريات الصين من السلع الأمريكية بشكل أكبر بعد تصاعد الحرب التجارية في بداية شهر نيسان/أبريل 2025، وتجاوزت الرسوم الجمركية نسبة 100%، وبالإضافة إلى تراجع مشتريات الصين من الحبوب الأمريكية، تراجعت مشتريات الصين من المنتجات الزراعية الأمريكية الأخرىبشكل حادّ خلال شهر آذار/مارس 2025، حيث تراجعت واردات القطن الأمريكية بنسبة 90% مقارنة بشهر آذار/مارس 2024 لتصل إلى ما يزيد قليلا عن 14 ألف طن، وانخفضت واردات الذرة إلى أقل من 800 طن، وهو أدنى مستوى لها منذ شهر شباط/فبراير 2020، في بداية جائحة كورونا وتوقف حركة التجارة آنذاك…
عينة من التأثيرات المباشرة والظاهرة للحرب التجارية الأمريكية.
التّخلّص التّدريجي من السّندات الأمريكية
تُمَوّل الولايات المتحدة اقتصادها وحروبها وإنفاقها العسكري الضخم بواسطة الدّولار وهو عبارة عن ورقة يتم طبعها في الولايات المتحدة ولا يُقابلها إنتاج، وبواسطة طَرْح سندات الخزانة الأميركية – وهي أداة دَيْن – التي تمتلك الصين ثاني أكبر حصّة منها، وأدّت الحرب التجارية إلى تخلّص الصّين التدريجي ( لأن البَيْع المُكثّف يؤدّي إلى انهيار قيمة السّندات) من السّندات الأمريكية لصالح الاستثمار في أدوات الدين والسندات الحكومية الأوروبية واليابانية والذّهب، بالتوازي مع تراجع نصيب الدّولار في استثمارات الأفراد والشركات الصينية، مما أدّى إلى تضرر الأصول المُقَوَمَة بالدولار، لأنها فَقَدَت مكانتها كملاذٍ آمن في أعقاب إعلان دونالد ترامب الحرب التجارية…
تضرّر المُستهلكين
تراجع الطّلب على المنتجات المصنوعة في الصين والتي كانت تُباع بأسعار بخسة في جميع أنحاء العالم، ومن ضمنها الأسواق الأمريكية التي تُمثل حوالي 30% من صادرات الملابس المصنوعة في الصين، بما في ذلك المبيعات بواسطة المنصّات التجارية الإلكترونية، وقد يُؤدّي ارتفاع الرسوم الجمركية، وارتفاع أسعار هذه السلع من الملابس واللُّعَب إلى الهواتف ومختلف الأجهزة الإلكترونية إلى تخلي الشركات الصينية عن السوق الأميركية، والبحث عن أسواق بديلة، مما يتطلب وقتًا إضافيا وتسريح ملايين العمال والعاملات في الصّين. أما في الولايات المتحدة فإن الرسوم الجمركية الإضافية تَرْفَعُ الأسعار وتزيد من نسبة التّضخم، وتؤثّر سَلْبًا على المستهلكين وعلى الشركات في الولايات المتحدة، وفق رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي جيروم باول الذي يُصِرّ دونالد ترامب على إقالته لأنه لا يتفق مع قراراته الإقتصادية والمالية، كما تُؤثّر هذه القرارات سلبًا على حياة الصينيين، وخصوصًا العاملين في مصانع تصدير السلع إلى الولايات المتحدة، وبخصوص تأثير قرارات دونالد ترامب على القطاعات والشركات الأمريكية، وَرَد في الجزء الأول من مقال « من تداعيات الحرب التجارية – 1 » ذِكْرُ تقرير نيويورك تايمز بشأن الأضرار التي لحقت شركة « إنفيديا » وشركات تصنيع الرقائق وأشباه المواصلات، في أمريكا والعالم بما في ذلك شركة تي إس إم سي في تايوان، المَحْمِيّة الأمريكية، وشركة إس كيه هاينكس الكورية الجنوبية، وشركة إيه إس إم إل الهولندية العملاقة للرقائق، وشركة « إنتل »، ذات العلاقات الوثيقة جدًّا بالكيان الصهيوني، وبذلك تحولت شركات تصنيع الرقائق إلى سلاح استراتيجي في الصراع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين، ولن تتمكّن الولايات المتحدة من حرمان الصين من التكنولوجيا ولكنها تُؤَخِّرُ وتُبْطِئُ تطورها…
نُمُو الإعتراضات على السياسة الأمريكية
نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا يوم 27 آذار/مارس 2025، يُشير إلى الدّعوات المُتزايدة الصادرة عن آلاف المواطنين الأوروبيين ( والكَنَدِيِّين) إلى مقاطعة الإنتاج الأميركي ونَشْر قائمة منتجات محلية بديلة، وأصبحت بعض المتاجر الأُوروبية تُشير إلى المنتجات المحلية برموز يسهل على المُتَسَوِّقِين تمييزها، وأدّى انتشار حملات المقاطعة إلى انزعاج مسؤولي الشركات الأمريكية، فقد حذّرت شركة (بيوند ميت)، وهي شركة أغذية نباتية مقرها كاليفورنيا، من احتمال فقدان بعض زبائنها في الخارج بسبب ما أَسْمَتْهُ « المشاعر المعادية لأميركا »، وفي كندا، أعلن الرئيس التنفيذي لشركة « إمبارير » ثاني أكبر سلاسل المتاجر الكندية، انخفاضًا كبيرًا في مبيعات الشركة من المنتجات الأميركية، مما اضطر الشركة إلى عَرْض المزيد من منتجات الدّول الأخرى. أما شركة تسلا للسيارات الكهربائية المملوكة لإيلون ماسك أحد أهم داعمي دونالد ترامب واليمين المتطرف الأوروبي، فأصبحت مُصنّفة ضمن أكبر المتضررين من مقاطعة المنتجات الأميركية بالخارج، وفي مجال العالم الرقمي ألغى آلاف الأشخاص اشتراكاتهم في منصات أميركية أمثال « نتفلكس » و »ديزني+ » و »أمازون برايم فيديو » وغيرها، وفي مجال السياحة، تراجع عدد السائحين الأجانب في الولايات المتحدة بنسبة 12% خلال شهر آذار/مارس 2025، مقارنة بشهر آذار/مارس 2024، وفق موقع صحيفة واشنطن بوست، وانخفض عدد الحجوزات المسبقة من أوروبا إلى الولايات المتحدة بنسبة 25% وفق شركات الأسفار الأوروبية وأدّى ذلك إلى انخفاض أسهم شركات الطيران عبر الأطلسي، مثل شركة « آي إيه جي إس إيه »، الشركة الأم للخطوط الجوية البريطانية…
مظاهرات داخل الولايات المتحدة
نادرًا ما لاقت السياسة الخارجية الأمريكية مُعارَضَةً داخلية، باستثناء السنوات الأخيرة من العدوان على شعب فيتنام، والأسابيع السّابقة لاحتلال العراق، لكن ارتفعت حدّة الإحتجاجات ضد الحَيْف الطّبقي والإغتيالات العُنْصُرية، وللمرة الأولى اعترض الشباب الجامعي على الدّعم الأمريكي المُطلق للكيان الصهيوني – خلال رئاسة « الدّيمقراطي » جوزيف بايدن – بينما كان الإحتلال الصهيوني يحظى بدعم واسع من المواطنين الأمريكيين بسبب التّضليل الإيديولوجي والإعلامي، وبسبب تشابه نشأة الإستعمار الإستيطاني الأوروبي في أمريكا الشمالية وفي فلسطين…
استمرّ الدّعم المُطلق للكيان الصهيوني واستمرّ القمع السّافر وسحب التمويل العام والخاص للجامعات، وكان تَظاهُرُ الآلاف في شوارع أهم المدن الأمريكية في بداية شهر نيسان/ابريل، ثم يوم السبت 19 نيسان/ابريل 2025، احتجاجاً على الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب، مُفاجأة لمن يعيش خارج الولايات المتحدة، خصوصًا بعد إعلان بعض قيادات النقابات العُمّالية دعم الحرب التجارية التي أعلنها دونالد ترامب، واتخذت هذه المظاهرات اسم « 50501 »، الذي يرمز إلى 50 مظاهرة في و50 ولاية، ضمن حركة مُوَحَّدَة، في الذكرى السنوية الـ 250 لبداية حرب « الاستقلال » الأمريكية ( وهنا تظْهر الشوفينية المُتغلْغِلَة في أذهان معظم أفراد الشعب الأمريكي ) وتجمّع المتظاهرون أمام البيت الأبيض، ومحلات بيع سيارات شركة تسلا في العديد من المدن الأمريكية، وتعكس هذه المظاهرات استطلاعات الرأي التي تُظْهِر عدم رضا الجمهور عن أداء دونالد ترامب خلال الأشهر الثلاثة الأولى من فترة رئاسته، والغضب من قرارات خفض الإنفاق الحكومي وخفض الوظائف الحكومية وترحيل المهاجرين، وفق وكالة أسوشيتد برس ( 19/04/2025) ونشرت وكالتا رويترز ووكالة الصحافة الفرنسية تقارير عن التحركات المعارضة التي انبثقت عن جمعيات ترفع شكاوى قضائية ضد تدابير تتخذها الحكومة الإتحادية برئاسة دونالد ترامب، بمناسبة مرور مائة يوم على تنصيبه، وتحولت الاجتماعات العامة التي يعقدها النواب الجمهوريون في دوائرهم – عملا بتقليد تسوده عادة روح توافقية – إلى مساحة للتعبير عن الغضب الشعبي حيال دونالد ترامب الذي تم انتقاده طريقة حُكْمِه بإصدار أعداد هائلة من المراسيم الرئاسية وبلبلة التجارة الدولية وتفكيك أجزاء كاملة من الدولة الفدرالية تحت إشراف حليفه الملياردير إيلون ماسك، وغيرها من التدابير، وجرت عدة تظاهرات في الأسابيع الأخيرة عبر الولايات المتحدة، طغت عليها شعارات الإحتجاج على خفض الإنفاق العام…
إعادة هيكلة الإقتصاد العالمي لصالح رأس المال الإحتكاري « الغربي »
إن الطابع الجيوسياسي الحالي للإستفزاز الأمريكي بواسطة الرسوم الجمركية يؤدّي إلى توسيع العدوان – غير العسكري لحدّ الآن – إلى عشرات الدول ( 180 دولة وفق دونالد ترامب)، وعلى رأسها الصين، دون إعفاء الدّول الحليفة، مما يُحتّم إعادة النّظر في أُسس منظمة التجارة العالمية التي تعكس موازين القوى العالمية خلال حقبة العولمة النيوليبرالية، فقد أعلن دونالد ترامب عن ضرورة « استرداد هيبة الاقتصاد الأميركي » ( وهي صيغة أخرى من شعاره الإنتخابي « لنجعل أمريكا قوية من جديد » Make America Great Again – MAGA ) ، والسيطرة على مختلف القطاعات من الرقائق الإلكترونية والهواتف الذّكية إلى الإنتاج الزراعي، رغم الثمن المرتفع، حيث خسرت سوق الأسهم الأمريكية سبع تريليونات دولارا خلال يوْمَيْن، وانخفضت قيمة الدّولار ليُصبح الذّهب ملاذًا آمنا بدل الدّولار وسندات الخزانة الأمريكية، غير إن دونالد ترامب يعتبر إن مُخططاته لها أهداف بعيدة المدى تتضمن إرساء قواعد جديدة للإقتصاد العالمي، فيما تعتبر الصين إنها ليست خصومة تجارية عابرة بشأن المنتجات، بل صراع حول السيطرة على مركز التصنيع العالمي، وأظهرت الصين إنها تسير وفق مخطط مدروس منذ نهاية القرن العشرين، فقد شجّعت حكومة الصين البحث العلمي والإبتكار، وأنفقت أكثر من 679 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية العالمية، أي ما يعادل 9 أضعاف ما أنفقته الولايات المتحدة، وسجّلت، سنة 2023، أكثر من 798 ألف طلب براءة اختراع، أي ضعف ما سجلته أميركا التي تُقدّر حصتها من الصناعات العالمية ب 15% ، فيما تُقدّر حصة الصين ب 30% ، ونتيجة لذلك تضاعَفَ حجم الناتج المحلّي الصيني 15 مرة بين سنتَيْ 2000 و 2023، واتّبعت الصين أُسلوبًا مُغايرًا للولايات المتحدة التي تأسست على جماجم السكان الأصليين وعرق ودماء العبيد الذي نُقِلُوا بشكل قَسْرِي من إفريقيا إلى أمريكا الشمالية، ولذلك لا تمتلك الصين نظِيرًا للأساطيل الحربية التي تجوب البحار أو للقواعد العسكرية الأمريكية التي يفوق عددها ثمانمائة قاعدة حول العالم، وليست للصّين منطقة نُفُوذ استراتيجي كما الولايات المتحدة التي تُهيمن على مناطق استراتيجية تُحيط بالصين ( تايوان واليابان وكوريا الجنوبية…) وفي أمريكا الجنوبية وإفريقيا فضلا عن الهيمنة على قارة أوروبا، لأن الصين تبني شبكة واسعة من العلاقات الإقتصادية فيما يتمثل هدف الولايات المتحدة في السيطرة على العالم بقوة السّلاح والدّولار…
قُدِّرَ حجم التبادل التجاري في السلع بين الولايات المتحدة والصين سنة 2024 بنحو 582,4 مليار دولار، وبلغت الصادرات الأميركية إلى الصين 143,5 مليار دولار، والواردات الأمريكية من الصين 439,9 مليار دولار (أي ما يعادل 16,4% من صادرات البلاد )، ليصل بذلك العجز التجاري لمصلحة الصين 295,4 مليار دولار، لأن الدّوْلتَيْن تنتهجان استراتيجيّتَيْن مختلِفَتَيْن ( في نطاق المنظومة الرأسمالية العالمية ) حيث تخلصت الرأسمالية الأمريكية من الصناعات المُلوثة وذات القيمة الزائدة الضّعيفة والتي تتطلب عمالة كثيفة منخفضة التّأهيل والأُجُور واحتفظت بالتكنولوجيا والقطاعات التي تتطلب مهارات عالية وتُستخرج منها قيمة زائدة مرتفعة، ويمثل شعار خفض العجز التجاري وتقليل الاعتماد على السلع الصينية من خلال فرض رسوم جمركية جديدة عليها، شعارًا (وممارسة) ديماغوجيًّا، لأن رأس المال الأمريكي انتقل إلى الصّين لاستغلال الموارد والعُمال ولبيع الإنتاج بأسعار رخيصة في الدّول الرأسمالية المتقدّمة، مما جعل الصين أكبر دولة مصدّرة في العالم سنة 2024 وبلغت قيمة صادراتها نحو 3,58 تريليونات دولار، بزيادة 5,9% عن العام 2023، فيما بلغت قيمة وارداتها 2,59 تريليون دولار، وتحقيق فائض تجاري تجاوز 822,1 مليار دولار أميركي، وتأتي الإلكترونيات الاستهلاكية في مقدمة السلع الصينية المُصدّرة سنة 2023 إلى الولايات المتحدة، بحصة تبلغ 96 مليار دولار، تليها المنسوجات والملابس بـ 68 مليار دولار، ثم المواد الكيميائية بـ 42 مليار دولار، آلات البناء ومواده بـ 33 مليار دولار، المعدات الكهربائية (باستثناء أشباه الموصلات) بـ 30 مليار دولار، المعادن الأساسية بـ 28 مليار دولار، الأجهزة المنزلية بـ 24 مليار دولار، معدات النقل بـ 24 مليار دولار، الطاقة النظيفة والبطاريات بـ 15 مليار دولار، وأخيرًا الأجهزة البصرية والطبية بـ 12 مليار دولار، وتُصدّر الولايات المتحدة إلى الصين: الحبوب والبذور الزيتية بقيمة 18,5 مليار دولار والنفط والغاز بـ 17,6 مليار دولار والتعليم والوسائل التعليمية بـ 13 مليار دولار والأدوية بـ 11,3 مليار دولار وقطع غيار ومعدات الطيران بـ 6,8 مليارات دولار وأدوات الملاحة بـ 6,8 مليارات دولار والمركبات الآلية بـ 6,1 مليارات دولار وأشباه الموصلات بـ 6 مليارات دولارًا والآلات الصناعية بـ 5 مليارات دولار، ومنتجات اللحوم بـ 4,5 مليارات دولار.
تُقيم الصين علاقات تجارية مع أكثر من 150 دولة، وأظهرت التجربة إن الضغوط الممارسة على الصين منذ سنوات، لم تُحقق النتائج المَرْجُوّة، فقد ارتفع الناتج المحلي الصيني ليبلغ 18,8 تريليون دولارا أمريكيا سنة 2024، وقد تُؤَدِّي السياسة الحمائية الأمريكية إلى ارتدادات عميقة على حركة التجارة الدّوليّة، بناء على بعض المؤشرات مثل اضطراب الأسواق المالية والخسائر التي أعلنتها معظم بورصات العالم، وقد تتغيّر خارطة التحالفات الدّولية نتيجة لتهميش منظمة الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية من قِبَل الولايات المتحدة، ليتعزز التحالف بين روسيا والصين ولتَتَعَزّز التحالفات الإقليمية ومجموعة بريكس وأمثالها ضد الدّولة العدوانية المارِقَة المتمثلة بالولايات المتحدة مما قد يُزَعْزِع التوازنات الحالية ويُقوّض النفوذ العالمي للإمبريالية الأمريكية
يعتمد الإقتصاد الأمريكي على السوق الدّاخلية ( الطّلب الدّاخلي ) ويُعْتَبَرُ أحد أقل الاقتصادات العالمية اعتمادًا على الصادرات التي لا يزيد حجمها عن 11% من الناتج المحلي الإجمالي (ثلثها يذهب إلى كندا والمكسيك) مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 30%، لأن الشركات الأمريكية تُوَفِّرُ نصف رأس المال الاستثماري العالمي، وتهيمن على إنتاج ضروريات الحياة مثل الطاقة والغذاء، وتحقق أكثر من نصف الأرباح العالمية في صناعات التكنولوجيا الفائقة، بما في ذلك أشباه الموصلات والفضاء والتكنولوجيا الحيوية، أي ما يقرب من عشرة أضعاف حصة الصين التي تُصدّر إلى الولايات المتحدة المواد الكيميائية الأساسية والأدوية البديلة والمعادن النادرة والرقائق منخفضة الجودة، وتستورد الصّين من الولايات المتحدة وحلفائها المُقرّبين التقنيات المتطورة والطّاقة والغذاء، كما تتمتع الولايات المتحدة بقوة عسكرية استثنائية منتشرة في أرجاء العالم، ولها أكثر من ثمانمائة قاعدة عسكرية ولها اتفاقيات دفاع وأمن ( استخبارات وتجسّس) وخدمات لوجستية مع سبعين دولة، فضلا عن القواعد الضّخمة في أوروبا وآسيا، وزعامة حلف شمال الأطلسي وتحالف التجسس « العيون الخمس » وغير ذلك من التحالفات العسكرية، وهي ميزات لا تتوفر لدى الصين.
من الوفاق الإمبريالي إلى التّفَرُّد بالقرار
يمثل قرار رَفْع الرُّسُوم الجمركية بشكل حادّ تهديدًا لاقتصاد حُلفاء الولايات المتحدة ( دول الإتحاد الأوروبي وأعضاء حلف شمال الأطلسي) وخصومها ومنافسيها وجميع دول العالم، واضطرت الصين إلى الإنتقال من تكتيك المُهادنة إلى التّمَرُّد العلني والفَوْرِي، ولم تَخْتَر الصّين توقيت المُجابهة لكن أجْبَرَها التّحرُّش الأمريكي المُستمر منذ رئاسة باراك أوباما ( 2009 – 2017 ) على الرّدّ، خصوصًا بعد امتلاكها العديد من مُقومات القُوّة الإقتصادية والعسكرية، والتفوق في مجالات البحث العلمي وتطوير تكنولوجيا الإتصالات، وأصبحت الصّين المدافع الأول عن الإقتصاد الرأسمالي الليبرالي، من خلال الدّعوة إلى « عالم مُتعدّد الأقطاب » فيما ترفض الولايات المتحدة تراجع دَوْرِها من الهيمنة المُطْلَقَة ( خصوصًا بعد انهيار جدار برلين والإتحاد السوفييتي، قبل 35 سنة) وزعامة القُطْب الواحد إلى تقاسم النّفوذ مع الصين وحلفائها في مجموعة بريكس، لأن الإمبريالية الأمريكية ترفض التّعامل بِغَيْر « العصا الغليظة »، خلافًا للصّين التي تستغل الموارد ( خصوصًا في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية) بواسطة مصارفها وشركاتها وقُرُوضها دُون فَرْضِ شُرُوط سياسية، ولم تتورّط الصين لحد الآن في العُدْوان العسكري على شعوب البلدان الفقيرة…
تَخَلّت الصين عن الإشتراكية منذ عُقود واعتمدت أُسُس الإقتصاد الرّأسمالي، داخليا بتكثيف استغلال العمال وتهجير صغار الفلاحين، وخارجيا باستغلال ثروات وشُعوب البلدان الأخرى، لكنها سياستها الخارجية تختلف عن الولايات المتحدة وأوروبا ولا تزال في مرحلة جَمْع المُتضرّرين من السياسات الأمريكية، بالتوازي مع محاولات تقويض أركان القُوّة الأمريكية، ومن ضمنها الدّولار الذي يُسيطر على عمليات التبادل التجاري والتحويلات المالية ( منظومة سويفت) وقُرُوض المؤسسات المالية وعلى احتياطيات المصارف المركزية من العملات الأجنبية، غير إن الغطْرَسة الأمريكية والمُبالغة في فرض « العُقوبات » وحصار البلدان والشّعوب، جعلت العديد من البلدان ( ومن بينها مجموعة بريكس) تحاول التّخلّص من هذه الهيمنة، وتُشير بيانات صندوق النّقد الدّولي إلى انخفاض حصة الدولار من احتياطيات المصارف المركزية، من 70% سنة 2000 إلى 58% سنة 2023 ويعتبر ذلك تحوّلا تاريخيا رغم البُطْء الشّديد، يُضاهي كسر احتكار الإمبريالية الأمريكية للتفوق التكنولوجي والعسكري وما إلى ذلك، لكن لا تزال نسبة تفوق 50% من التجارة العالمية ونحو90% من المعاملات المالية الدولية تجري بالدولار، ويتم تحويلها من خلال المصارف المرتبطة بالولايات المتحدة التي تُتِيح لها هذه الهيمنة تهديد الدّول وفرض الحَظْر والحصار و »العقوبات ».
أدّت العجْرَفَة الأمريكية إلى « تَمَرُّد » أوروبا التي تورّطت في كافة جرائم الإمبريالية الأمريكية، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ودعا مسؤولو بعض الشركات الأوروبية إلى استئناف شراء الغاز الرّوسي ( الذي فرضت الولايات المتحدة مُقاطعته) بدل الغاز الصخري الأمريكي الرّديء ومرتفع الثمن، ووصف بيان البرلمان الأوروبي ( الذي يخضع لمجموعات الضغط ولا يمتلك سلطةً حقيقية ) الإجراءات الحمائية الأمريكية ب »الإبتزاز الإقتصادي »، فيما تتخوف رئيسة منظمة التجارة العالمية من حدوث « كارثة تتمثل في زيادة كبيرة في أسعار العديد من المنتجات وفي انخفاض كبير في الناتج المحلي الإجمالي العالمي « ، جراء الرسوم الأمريكية، وكثف الإتحاد الأوروبي من الإتصلات مع الأرجنتين والبرازيل وباراغواي وأوروغواي، الأعضاء في سوق الجنوب المشتركة (ميركوسور – MERCOSUR )، بهدف توقيع اتفاقية للتبادل التجاري الحرّ، تشمل أكبر منطقة تجارة حرّة عالمياً، تضم الاتحاد الأوروبي ( 450 مليون نسمة) ومنطقة ميركوسور ( 280 مليون نسمة ) وصرّحت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين ( الأطلسية والصهيونية )، منذ كانون الأول/ديسمبر 2024: “ليست هذه المعاهدة فرصة اقتصادية فقط، وإنّما هي أيضاً ضرورة سياسية” وإن أوروبا تريد توقيع اتفاقيات تتضمن قواعد واضحة في مجال العلاقات الإقتصادية والتجارة والاستثمار.
ما موقع بلدان « الأطْراف » (الجنوب العالمي)؟
يمكن اختيار قارة إفريقيا كنموذج لبلدان الأطراف الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، فهي القارة التي لا تنال اهتمام الإمبريالية الأمريكية، باستثناء الموقع الإستراتيجي ولذلك أنشأت الولايات المتحدة خلال فترة رئاسة بوش الإبن القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا ( أفريكوم)، وتمّ إنجاز المُخطط في ظل رئاسة باراك أوباما، وتقوم أفريكوم بما لا يقل عن 350 مناورة وتدريب مع جيوش إفريقيا سنويا، وتعمل الولايات المتحدة على منع المنافسين ( روسيا والصين والهند وتركيا وفرنسا…) من استغلال موارد إفريقيا التي يقدّر أن يرتفع عدد سكانها إلى أكثر من مليار شخص سنة 2050، ورغم الثروات الهائلة تُعاني شُعُوب إفريقيا من الدُّيُون الخارجية ومن الفقر، وتتجاوز معدلات بطالة الشباب في العديد من الدّول الإفريقية 30% وتُعاني معظم بلدان القارة من انهيار البنية التحتية الأساسية ورداءة خدمات الرعاية الصحية والتعليم…
نشرت الولايات المتحدة قواعد الطائرات المُسيّرة في إفريقيا، وجَرّبَ الجيش الأمريكي إرسال وحدات استطلاعية سريعة لتنفيذ الإعتداءات والتّدمير عن بُعْد، والانسحاب دون التعرض لخسائر، ولم تسلم قارة إفريقيا من الحرب التّجارية ومن الرُّسُوم الجمركية الإضافية
أقرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوما جمركية يوم الثاني من نيسان/ابريل 2025 بنسب تتراوح بين 10% إلى 49% على جميع الواردات الأمريكية، مع رسوم إضافية أخرى على الصّين وبعض الدول، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإلى الرّكود الإقتصادي، ولم تَسْلم 184 دولة وجزيرة وإقليم، بالإضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ولم تسلم دويلات الخليج النفطية من رُعونة دونالد ترامب، لأن الركود يؤدّي إلى انخفاض الطّلب على النّفط وإلى انخفاض أسعاره، فيما ترتفع أسعار السلع الأخرى – ومن بينها الغذاء والدّواء – التي تشملها الرّسوم الجمركية، وسوف يتضرّر اقتصاد مصر والأردن ( رُوّاد التّطبيع) وجميع البلدان العربية الأخرى، مثل السودان ولبنان واليمن والسعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان وسوريا والعراق والمغرب وتونس والجزائر وموريتانيا وليبيا وجزر القمر، وتراوحت الرسوم بين 20% ( الأردن) و 41% ( سوريا) وتراوحت الرسوم على سلع البلدان العربية الأخرى بين هاتيْن النّسْبَتَيْن، وتجدر الإشارة إلى بلوغ فائض تجارة السلع الأمريكية مع مصر 3,5 مليار دولار ومع السعودية 443,3 مليار دولارا ومع الإمارات 19,5 مليار دولارا سنة 2024، بحسب بيانات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، وسوف تُؤدّي الحرب التجارية إلى ارتفاع أسعار العديد من المنتجات التي تستوردها الدول العربية، وسوف تكون الإمارات والسعودية والكويت الأشد تضرراً من القرارات الأمريكية، بحكم ارتفاع حجم تعاملاتها التجارية مع الولايات المتحدة، وعمومًا يُعتَبَرُ حجم الصادرات الأمريكية للدول العربية الأخرى صغير جداً مقارنة بالصين والاتحاد الأوروبي.
في إفريقيا، بلغت التعريفات الجمركية الأمريكية على منتجات « ليوسوتو » 50% فيما كانت أقل بالنسبة للدول الإفريقية الأخرى، وشملت الرسوم المنسوجات والمعادن والجلود، مع إلغاء « الامتيازات الضريبية » التي كانت سارية المفعول منذ سنة 2000، وسوف يتضرر اقتصاد « ليوسوتو » الذي تتجه نسبة تزيد عن 90% من صادراته من الملابس نحو الولايات المتحدة، ويشغل القطاع نحو 45 ألف عامل، معظمهم من النساء، كما سوف يتضرر اقتصاد مدغشقر وجزيرة موريشيوس من الرسوم الأمريكية التي تجاوزت نسبتها 40%، وبلغت الرسوم على صادرات أنغولا إلى الولايات المتحدة 32%، وصادرات جنوب إفريقيا 30%، وتراوحت الرسوم المفروضة على صادرات نيجيريا وكينيا والحبشة وغانا بين 10% و 14%، وأثارت الرسوم الجمركية الجديدة على بعض السلع الإفريقية موجة من التساؤلات حول دوافع وجدوى وتداعيات هذه القرارات – أحادية الجانب – على اقتصادات القارة الإفريقية وقد تُعيد رسم خريطة العلاقات التجارية بين إفريقيا وأمريكا، وتدفع الدّول الإفريقية إلى تعزيز العلاقات فيما بينها ومع الصين والاتحاد الأوروبي…
في آسيا بلغت الرسوم المفروضة على إنتاج كمبوديا 49% و »لاوس » 48% وفيتنام 46% كما فرضت الولايات المتحدة رسومًا إضافية على العديد من الدول الآسيوية مثل ماليزيا وإندونيسيا والهند وباكستان وتايلاند وتايوان
وجب استغلال الرسوم الجمركية الأمريكية للتفكير في إستراتيجيات اقتصادية تُحقّق التنمية المُستدامة وعدم الإقتصار على تصدير المعادن والمحروقات والمواد الخام، والتعاون الإقليمي من أجل خلق صناعات تحويلية وتلبية حاجة المواطنين في مجالات الأغذية والأدوية والرعاية الصحية والطاقة وغيرها، وتعزيز التكامل الاقتصادي العربي أو الآسيوي أو الإفريقي وزيادة التجارة البينية وتنويع الشراكات الإقتصادية مع البلدان التي لا تفرض شُرُوطًا سياسية ، والإستثمار المُشترك في مجالات البنية التحتية ( الطرقات والسكة الحديدية والموانئ ) والتكنولوجيا والتّأهيل…
تبحث جميع الدّول – الحليفة والمنافسة و »المُحايدة » – عن بدائل للحدّ من التبعية للولايات المتحدة وعملتها ( الدّولار) لأن الحرب التجارية تؤدّي إلى زيادة الأسعار وارتفاع نسبة التضخم وانخفاض الدّخل الحقيقي للأفراد وقد تؤدّي إلى انخفاض حجم الناتج الإجمالي العالمي، وتُعرقل الإستثمار، خصوصًا في البلدان الفقيرة التي تحتاج إلى تنشيط الإقتصاد وتنويع وزيادة الإنتاج لتلبية احتياجات المواطنين ولخلق فُرص عمل، ولا يمكن التّعويل على أي طرف خارجي ( لا الصين ولا الإتحاد الأوروبي ولا الولايات المتحدة) لتحقيق هذه الأهداف، مما يُؤكّد ضرورة خلق أُطُرٍ خاصة بالبلدان الفقيرة ( بلدان « الأطْراف » الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية) وتعزيز التبادل بينها، وخلق أُطُر ومؤسسات ديمقراطية داخل كل بلد تُمكّن المواطنين من الإدلاء برأيهم ومن المُشاركة في عمليات اتخاذ القرارات ( السياسية والإقتصادية) ذات الصبغة الآنية والمُسْتَقْبَلِيّة، وتنفيذ تلك القرارات ومتابعة إنجازها وتقويمها…
الطاهر المعز
-
Nous, citoyens algériens et maliens-Lettre ouverte aux autorités de l’Algérie et du Mali

Lettre ouverte aux autorités de l’Algérie et du Mali
Nous, citoyens algériens et maliens,
- Préoccupés par la crise actuelle entre nos deux pays et les conséquences imprévisibles de toute action d’escalade dans ce conflit;
- Soucieux de la préservation de la paix et le maintien d’une bonne relation entre nos deux pays;
- Conscients de la sagesse des dirigeants de nos deux pays, l’Algérie et le Mali, unis par un destin commun, partageant une frontière de près de 1400 km et un espace géographique commun (le Sahel);
- Convaincus que nos deux pays jouent un rôle crucial dans la stabilité du Sahel, où sont présents de nombreux groupes terroristes qui sévissent sur les populations locales et perturbent le commerce transfrontalier;
- Sachant que les deux pays ont une expérience historique commune de lutte panafricaniste en faveur de la décolonisation et de l’indépendance;
- Se remémorant l’appui inconditionnel et fraternel du Mali à l’Algérie durant sa guerre de libération, offrant non seulement un soutien politique et diplomatique à l’Algérie, mais permettant aussi aux forces combattantes algériennes de bénéficier de soutien logistique et de base arrière stratégique;
- Reconnaissant que l’Algérie ait été souvent sollicitée en qualité de médiateur dans les conflits internes au Mali;
- N’oubliant pas que, durant des années, la relation entre le Mali et l’Algérie s’est développée solidement sur une base de confiance mutuelle dans plusieurs secteurs comme, par exemple, l’éducation (formation de cadres maliens) ou l’économie (effacement de la dette du Mali).
Prenons l’initiative d’adresser cette lettre aux autorités de l’Algérie et du Mali pour leur suggérer:
- D’adopter un sens élevé de la retenue et de souscrire aux valeurs nobles du dialogue et de la diplomatie pour ne pas mettre en péril nos précieux acquis de bon voisinage;
- De favoriser les mesures d’apaisement en vue d’atténuer la tension entre nos deux pays et d’éviter la détérioration des relations et l’escalade verbale dans les réseaux sociaux et sous toute autre forme;
- De ne pas rompre avec nos valeurs communes héritées de nos traditions culturelles et religieuses;
- De réaffirmer l’importance de nos liens historiques et géographiques;
- De mobiliser toutes nos énergies pour le défi du développement de notre région et de la prospérité de nos peuples;
- De poursuivre la coopération et de consolider la fraternité entre nos deux peuples.
C’est l’heure où la sagesse devient un élément existentiel pour le bien-être, le développement et la sécurité de nos deux peuples.
Fait le 25 avril 2025
Signataires algériens
- Ahmed Bensaada, Docteur en physique, auteur et analyste politique
- Olivier Fanon
- Karim El Ghazi, Architecte, Expert judiciaire, membre du Conseil de l’ordre des architectes algériens
- Aziz Chaib, Consultant international
- Aomar Hadjadj, Professeur des universités
- Redouane Hamza, Docteur en physique
- Yazid Ben Hounet, Anthropologue
- Samir Taleb Bendiab, Entrepreneur dans le domaine de l’électronique
- Boualem Snaoui, Militant panafricaniste et anticolonial
- Lamine Kadi, Universitaire et consultant international
- Sid Ahmed Chawki Lamara, Professeur des universités
- Hacène Fouchal, Professeur des universités
Signataires maliens
- Boubacar Touré, Juriste
- Souleymane Diarra, Économiste
- Abdoulaye Diarra, Analyste en intelligence d’affaires et artificielle
- Mamadou Lamine Doumbia, Professeur
- Lassine Papa Traoré, Maîtrise science de la gestion en biodiversité
- Madame Ramata Sanogo, Économiste
- Soumaila Coulibaly, Analyste financier
- Kalifa Goïta, Administrateur civil
- Sory Ibrahim Diabaté, Consultant en environnement et développement
- Massa Kanté, Président Initiative et Action pour le Mali
- Ibrahima Sidibé-Pommier, Politologue
- Madame Aicha Ndiaye, Enseignante
- Préoccupés par la crise actuelle entre nos deux pays et les conséquences imprévisibles de toute action d’escalade dans ce conflit;
-
الطاهر المعز-مكانة إفريقيا في الأطماع الدّولية سنة 2025

مكانة إفريقيا في الأطماع الدّولية سنة 2025 : الطاهر المعز
الجزء الأول
تتكون هذه الدّراسة من ثلاثة أجزاء عن بعض الوضع في إفريقيا في خضم التغيرات الحاصلة منذ نهاية القرن العشرين، ويتضمن الجزء الأول محاولة لرَصْد مظاهر التبادل غير المتكافئ الذي تُمثّل قارة إفريقيا نموذجًا له، منذ موجة الإستقلال الشّكلي خلال عقد الستينيات من القرن العشرين، وتغيير أشكال الإستغلال والهيمنة، بفعل انتقال مركز القوة من أوروبا ( فرنسا وبريطانيا) إلى الولايات المتحدة، وترصد الأجزاء الثلاثة للدّراسة احتداد المنافسة الأمريكية لفرنسا في شمال وغرب إفريقيا والمنطقة المحيطة بالصحراء الكبرى، وترصد مظاهر "القُوّة النّاعمة" الصّينية في إفريقيا والعودة ( البطيئة أو المُحْتَشمة) لروسيا بعد قرابة ثلاثة عقود من انهيار الإتحاد السوفييتي الذي كان يدعم حركات التحرر والقوى التقدمية...
ترصد الدّراسة تأثيرات الدّيُون الخارجية وما سُمِّيَ "مُساعدات دولية" وتأثيرها المباشر على حياة المواطن، ويظهر هذا التّأثير بشكل جَلِيّ بعد إعلان الرئيس الأمريكي شَلّ عمل الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية وتعليق التمويل لبرامج الرعاية الصحية والتدريب في إفريقيا ( وغيرها) والإبقاء على البرنامج العسكري الأمريكي في إفريقيا (أفريكوم)، كما ترصد الدّراسة التغييرات الحاصلة خلال السنوات الأخيرة، على مستوى السّلطة في مالي والنيجر وبوركينا فاسو وكذلك في السينغال، وعلى مستوى الشعوب التي انتفضت ضد ارتفاع الأسعار وتدهور ظروف العيش، وكذلك ضدّ الهيمنة الإمبريالية، وقد تؤدّي هذه التغييرات إلى سيطرة شعوب إفريقيا على ثرواتها وعلى مصيرها...
تقديم
تُمثّل قارة إفريقيا نموذجًا للعلاقات غير المتكافئة بين المركز الرأسمالي الإستعماري وبلدان المُحيط الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، وتهدف الفقرات الموالية إبراز التناقض بين ثراء أعماق البحار وباطن الأرض الإفريقية وفَقْر سُكّانها، وتُركز بعض الفقرات على ما تسمى « المُساعدات الدّولية من أجل التنمية » ومحاولة إظهار طابعها الإستغلالي فهي استثمارات لصالح الدّول والشركات العابرة للقارات وليست مُساعدات لسكان إفريقيا وتُشكل العلاقات الفرنسية مع دول إفريقيا الغربية وعلاقات الولايات المتحدة مع البلدان الإفريقية أبرز مثال على هذا الطابع الإستغلالي والعسكري، وتُفيد البيانات المُتاحة للفترة 2004 – 2022 بلوغ إجمالي « المساعدات الإنمائية » الرسمية الممنوحة في جميع أنحاء العالم 1,729 تريليون دولا، وحصلت إفريقيا على 805 مليار دولار من المساعدات الإنمائية الرسمية خلال هذه السنوات الثماني عشرة، ويتم تنفيذ 87% من الميزانيات في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لكن كلما ارتفعت قيمة وحجم « مساعدات التنمية » ازداد تفاقم الفقر فقد ارتفع عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر (أقل من 1,90 دولار في اليوم) في القارة الأفريقية، وارتفعت نسبة فُقراء العالم الذين يعيشون في إفريقيا من 10% سنة 1970 إلى 75% بنهاية سنة 2023، ويتوقع البنك العالمي أن تصل هذه النسبة إلى 90% بحلول سنة 2030، مما يثير تساؤلات مشروعة حول أهداف مساعدات التنمية، خلافًا للمساعدات الصينية التي تستهدف إحداث تغييرات جذرية في المجتمع، وهذه فُرصة لطرح تساؤلات – قد لا تتوفر الإجابة عنها في هذه الوَرَقَة – بشأن طريقة الخروج من دوّامة الدُّيُون و »المُساعدات » والتَّبَعِيّة، والبدائل للدّيُون و »المُساعدات » ( وهما وَجْهان لعُمْلَة واحدة) ونمط التنمية المنشود وكيفية تنفيذ أو إنجاز السياسات البديلة.
إفريقيا – ثراء البَحْر وباطن الأرض وفَقْر السّكّان
توقّع مصرف التنمية الإفريقي، في بداية العام 2025، ارتفاع نسبة النمو الإقتصادي للقارة من 3,7% سنة 2024 إلى 4,3% سنة 2025، غير إن ارتفاع نسبة النّمو لا تُحسّن بشكل مُباشر وضع الكادحين والفُقراء، وهم يمثلون أغلبية السّكّان في كل مناطق العالم، وفي إفريقيا بشكل خاص حيث ترتفع نسبة الفَقْر إلى حوالي ثُلُث المواطنين ( 465 مليون في حالة فقر مدقع) ونَظَرًا لِنَدْرَة الوظائف وارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، من المُرجّح استمرار الفقر الذي تستغلّه المنظمات الإرهابية والجريمة المُنظّمة والتجارة بالبشر لِنَشْر الفوضى، كما تستغلّه القوى الإمبريالية – التي يدعم بعضها مجموعات الإرهاب والجريمة المُنظّمة – لإِحْكام السيطرة على القارّة وثرواتها، كما يحصل في المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكبرى وفي شرق إفريقيا، ويُصرّ رأس المال العالمي ( المُعَوْلَم ) على السيطرة على إفريقيا لأن معدل عائد الاستثمار الأجنبي في أفريقيا أعلى منه في أي منطقة أخرى من بلدان « العالم الثالث » ( الجنوب)، وارتفع معدل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي خلال القرن الواحد والعشرين بأكثر من ضعف معدله خلال العقدَيْن الأخيرَيْن من القرن العشرين، بفضل نمو قطاعات الإنشاء ( البُنْية التحتية ) والبناء والاتصالات والخدمات المصرفية وتجارة التجزئة، في غياب الصناعات التحويلية لمعالجة الإنتاج الإفريقي من المحروقات والمعادن والمنتجات الزراعية والصيد البحري، ولتبرير عدم الإستثمار في هذه المجالات في إفريقيا، تتعلّل الشركات العابرة للقارات بمجموعة من التحديات، ومن بينها الضغوط البيئية وارتفاع حِدّة الاحتجاجات الاجتماعية والصراعات وانعدام الأمن، ولم تتمكّن التّجمّعات الإقليمية مثل المجموعة الإقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس) أو منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، من حلّ معضلات التّبَعِية الإقتصادية والبطالة والفقر والهجرة غير النّظامية، بل تقلّص حجم المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) التي تحتفل هذا العام بالذكرى الخمسين لتأسيسها، بعد خروج مالي وبوركينا فاسو والنيجر، بنهاية شهر كانون الثاني/يناير 2025، بسبب الموقف المُعادي للسلطات الجديدة في هذه الدّول الثلاثة وبسبب ولاء قادة دُول « إيكواس » للإمبريالية الأوروبية، وفرنسا بشكل خاص – التي سحبت قواتها بنهاية العام 2024، من مالي والنيجر وبوركينا فاسو وأعلنت سَحْبَ « معظم » قواتها المنتشرة في ساحل العاج والسنغال سنة 2025 – وأسست مالي وبوركينا فاسو والنيجر « تحالف دول الساحل » وطالبوا بإغلاق القواعد العسكرية الفرنسية ومغادرة جنودها البلدان الثلاثة، فيما لا تزال الضّبابية تَلُفُّ القواعد الأمريكية، وتُحيط بالعلاقات مع برنامج القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا (أفريكوم)…
تواجه العديد من البلدان والشعوب الإفريقية تهديدات أمنية خطيرة، سواء في المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكبرى، حيث ازدادت المجموعات الإرهابية قُوّةً بعد تفتيت ليبيا من قِبَل حلف شمال الأطلسي، وسيطرة الجماعات الإرهابية على أسلحة الجيش الليبي، وتشريد ثلاثة ملايين عامل إفريقي كانوا يعملون في ليبيا، كما تعيش العديد من البلدان الإفريقية، من نيجيريا غربًا إلى الصّومال والسودان شرقًا، صراعات مُسلّحة تدعمها القوى الإمبريالية وشركاتها العابرة للقارات، للسيطرة على ثروات البلدان ( كالمحروقات في نيجيريا والذهب في مالي والسودان والمعادن في الكونغو…) وعلى الموقع الإستراتيجي لأراضيها، وأدّت هذه الحروب إلى نزوح ما لا يقل عن عشرين مليون شخص خلال سنتي 2023 و 2024 وفي بَلَدَيْن فقط، هما الكونغو والسّودان…
يحتوي باطن أرض قارّة إفريقيا على العديد من الموارد الطبيعية المهمة: الذهب والحديد والنحاس والألمنيوم والبلاتين والكروم والنفط والغاز الطبيعي، بما يُعادل ثُلُثِ احتياطيات العالم من المعادن، ومن ضمنها 90% من البلاتين و78% من الماس و60% من الكوبالت و40% من الذهب و40% من الكروم و28% من المَنْغَنِيز و18% من اليورانيوم، ونحو 7,5% من احتياطيات النفط المؤكدة و7,1% من الغاز الطبيعي، ولذلك أصبحت إفريقيا في خط المواجهة الاقتصادية العالمية، وفي قلب الصراع على النفوذ الاستعماري الجديد، واستغلّ الكيان الصّهيوني وضع عدم الإستقرار ليدعم الحركات الإنفصالية في بيافرا ( نيجيريا) والكونغو وجنوب السّودان وغيرها ( بالتعاون مع نظام المَيْز العنصري بجنوب إفريقيا والإستعمار البرتغالي، فضلاً عن الإستخبارات الامريكية والبريطانية والفرنسية) ولتعزيز التعاون الأمني والعسكري والفلاحي مع العديد من الأنظمة الإفريقية، قبل تدعيم العلاقات الإستراتيجية مع النظام المغربي، واستخدام المغرب كبوابة لتوسيع النّفوذ الصّهيوني في منطقة جنوب الصحراء الكبرى وإفريقيا الغربية، وزيادة التّغلغل الأمني والعسكري والإستخباراتي، وتأجيج التوترات الإقليمية ودعم بعض المنظمات الإنفصالية، منها بعض منظمات الطوارق على سبيل المثال، وما الكيان الصهيوني سوى جزء من الإمبريالية ( أو فرع منها أو وكيل لها) التي تريد التّوسُّع باستمرار وتعزيز الهيمنة والسيطرة على المواد الخام وطرق الاتصال والمرور والأسواق وقوة العمل، لتحقيق التراكم الرأسمالي وزيادة الأرباح…
شَكّلَ رأس المال الطبيعي ما بين 30% و 50% من الثروة الإجمالية للدول الإفريقية، وتُشكّل الموارد الطبيعية للقارة 77% من مجمل وارداتها، و42% من مجمل عائداتها الحكومية، مما يعني إنه يتم تصدير هذه الثروات الطبيعية الهائلة خامّة، دون مُعالجة، لتعود في شكل إنتاج مُصنّع بأسعار مُضاعَفَة، وفق برنامج الأمم المتحدة للبيئة سنة 2012، واستمر استنزاف الثروات منذ ذلك الحين، واستمر العجز الغذائي والجوع رغم ارتفاع نسبة الأراضي الصالحة للزراعة إلى 65% من أراضي القارة، مما يجعلها قادرة على إنتاج ما يكفيها وزيادة من الغذاء، ولكن سُكّان القارة – الّذين تُشكّل نسبة الشّباب مِمّن تقل أعمارهم عن 25 سنة 60% منهم – لا يستفيدون من هذه الثّروات التي تستغلها وتستفيد منها الشركات العابرة للقارات والدّول الإمبريالية التي تنهبها، وتُغْرِق الدّول الإفريقية بالدُّيُون، وتُمثّل إفريقيا نموذجًا للتّقْسيم الدّولي للعمل وللعلاقات غير المُتكافئة بين بُلْدان المركز ( الدّول الإمبريالية) وبُلْدان « المُحيط » أو « الأطراف » ( الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية)، ويُتَرْجَمُ ذلك في اعتماد دُول الأطراف ( ومنها دول إفريقيا) على رأس المال الأجنبي ( الشّركات العابرة للقارّات ) لاستخراج ثرواتها الطّبيعية وتصْدِير الموادّ الخام ليتم تصنيعها وتحويلها في الخارج إلى آلات وتجهيزات يُعاد بيعها في بلدان المحيط بأضْعاف سعر تكلفتها، مما يُبْقِي بلدان الأطراف في حالة تَبَعِيّة للإستعمار الذي يحكمها بواسطة « نُخَب » مَحلِّيّة تابعة له.
لم تتمتّع شُعُوب إفريقيا بثرواتها المعدنية والزراعية والبحرية وغيرها، وبقيت القارة تُعاني من غياب برامج التنمية المُستدامة وانعدام الأمن الغذائي، ولا تزال منذ القرن السادس عشر، هدفًا لأطماع القوى الإستعمارية كالبرتغال وإسبانيا وبريطانيا سابقا، ثم حاليا الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا وتركيا والهند واليابان والكيان الصهيوني، واحتدّت المنافسة على ثروات إفريقيا بين القوى « الغربية » والصّين، وقلّصت الصين نشاطها والتزاماتها المالية تجاه أفريقيا خلال السنوات الأخيرة، مما دفع العديد من الدول الأفريقية إلى البحث عن شراكات جديدة مع تركيا والهند والكيان الصهيوني والسعودية والإمارات…
إفريقيا في الأجندة الأمريكية سنة 2025
طرحت إدارة جورج بوش الإبن مشروع القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا، وتم إنجاز وتنفيذ المشروع خلال رئاسة باراك أوباما الذي طرحت إدارته، قبل أكثر من عشر سنوات، برنامجًا لدعم الشركات الأمريكية التي تستثمر في مشاريع الطاقة والبنية التحتية في إفريقيا، بهدف منافسة الصّين، ولم يتحقق الشيء الكثير من تلك المشاريع – باستثناء تكثيف الحضور العسكري والإستخباراتي – إلى أن أعلن الرئيس دونالد ترامب، خلال شهر كانون الثاني/يناير 2025، قرار تعليق المساعدات العامة الأميركية بواسطة الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية، وتتضمن تلك « المُساعدات » برامج المنظمات « غير الحكومية » التي تُشرف على خطط الرّعاية الصحية وتعليم الأطفال، وإدامة التّبَعِية تجاه الولايات المتحدة التي تستفيد شركاتها من تمويل هذه البرامج، في ظل إهمال السلطات الإفريقية استراتيجيات التنمية، طيلة حوالي 65 سنة من الإستقلال…
زار باراك أوباما، خلال آخر رحلة رسمية له إلى قارة إفريقيا ( تموز/يوليو 2015 )، الحبشة وكينيا وكانت أهمية زيارة كينيا رمزية لأنها كانت موطن والده، ولم تطأ قدم أي رئيس أميركي أرضاً أفريقية منذ حوالي عَشْر سنوات، بعد تأجيل زيارة جوزيف بايدن إلى أنغولا التي كانت مقررة لشهر تشرين الأول/اكتوبر 2024، ولم يقم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بزيارة القارّة خلال فترة ولايته الأولى بين سنتَيْ 2017 و 2021، ولم يبد أي اهتمام بها – باستثناء الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية (كانون الأول/ديسمبر 2020) مقابل إقامة الرباط علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني، ولم يستقبل دونالد ترامب خلال فترة رئاسته الأولى سوى رئيسَيْ نيجيريا (محمد بُخاري) وكينيا ( أوهورو كينياتا )، وزار مايك بومبيو، وزير خارجية ترامب، بين سنتَيْ 2018 و2021، إفريقيا ( السينغال والحبشة ) مرة واحدة، وأدّتْ زوجته ميلانيا زيارة « دبلوماسية وإنسانية » إلى كينيا، مرتدية خوذة استعمارية، وهدّد جون بولتون، مستشار الأمن القومي، الدّول الإفريقية التي لم تدعم الولايات المتحدة في الأمم المتحدة والقِمَم الدّولية، واعتبر إفريقيا – خلال خطاب ألقاه سنة 2018، بمؤسسة هيريتج المُغْرِقة في الرّجعية – مجرّد ساحة معركة اقتصادية ضد المصالح الروسية والصينية، ولم يأت دونالد ترامب على ذِكْر قارة إفريقيا أبدًا خلال حملته الانتخابية سنة 2024، بل ازدراها ووصفها ( مع هايتي ) في اجتماع في البيت الأبيض خلال شهر كانون الثاني/يناير 2018، بـ « الدول القذرة »…
تُركّز الحملات الإنتخابية الأمريكية على بعض جوانب الوضع الدّاخلي، لذلك كان شعار دونالد ترامب « لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى » انعكاسًا للشوفينية الأمريكية، ويَقِلّ اهتمام الجمهور الأمريكي بما يحدث في العالم، باستثناء الأحداث التي تُركّز عليها وسائل الإعلام السّائد اهتمامها، مثل تشويه الأنظمة والحكومات التي تختلف مع السلطات الأمريكية، وفق جيف هوكينز، السفير الأمريكي السابق لدى جمهورية أفريقيا الوسطى والباحث في معهد البحوث الوطنية والاستراتيجية (IRIS) « وعمومًا لم تكن أفريقيا موضع اهتمام لأن السياسة الخارجية الأمريكية تُركّز حاليا على فلسطين المحتلة ( الكيان الصهيوني) وإيران أوكرانيا والصين…
رحّب بعض رؤساء الدّول الإفريقية بفوز دونالد ترامب، بعد خيبة أملهم من الرئيس « الدّيمقراطي » جوزيف بايدن، وكانوا يأملون تعزيز التعاون الإقتصادي مع الولايات المتحدة، رغم شعار « لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى »، وكان سَحْب « المساعدات » الأمريكية لإفريقيا من أولوياته، غير إن أعضاء الكونغرس سواء من حزبه ( الحزب الجمهوري) أو من الحزب الدّيمقراطي، اعترضوا على مشروع القرار، مما سمح بالحفاظ على المبادرات الرئيسية والميزانيات المخصصة، وتم إنقاذ برنامج « ازدهار إفريقيا » الذي تُمَوِّلُهُ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، لأنه غير مرتبط بالبيت الأبيض، وهو لا يهدف في الواقع « مُساعدة إفريقيا » بل يهدف مواجهة التوسع الاقتصادي الصيني، مع الإشارة إلى حجم المُساعدات الصينية إلى قارة إفريقيا البالغ سبع مليارات دولارا سنويا، قبل تخفيضها منذ 2023…
تُمثل سياسات الهجرة وتقديم المنح الدّراسية مُؤشّرًا على العلاقات الأمريكية/الإفريقية، فقد أغلقت أوروبا حدودها، منذ حوالي ثلاثة عُقُود، ويعانى كذلك الآلاف من سياسة إغلاق الحدود الأمريكية في وجه البشر والسّلع القادمة من إفريقيا بذرائع « أَمْنِيّة »، وعلّقت وزارة الخارجية الأمريكية إصدار التأشيرات لمواطني ليبيا والصومال والسودان، منذ سنة 2027، ومواطني غانا سنة 2019، ومواطني تشاد أو نيجيريا سنة 2020، وانخفض عدد الطلاب الإفريقيين بالجامعات الأمريكية بنحو 50% خلال فترة رئاسة دونالد ترامب الأولى، وخفضت الولايات المتحدة تمويل بعض الجمعيات والمنظمات غير الحكومية الأفريقية المُهتمّة بمجالات الصحة والتعليم وحماية البيئة، وتم توجيه هذا التمويل إلى مجموعات التبشير للمسيحيين الإنجيليين والجمعيات المناهضة للإجهاض…
تجدر الإشارة إلى تمسُّك دونالد ترامب بالدّور العسكري الأمريكي في إفريقيا وتعزيز هذا الدّوْر من خلال دعمه للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، التي بدأت نشاطها الفعلي سنة 2007 « لتنسيق الأنشطة الأمنية في القارة ودعم القتال ضد الجماعات الجهادية »…
مُساعدات أم استثمارات؟
تُعرّف قَوامِيس العلوم السياسية « المساعدات الدولية » كالتالي: هي المساعدات الطَّوْعِيّة المُقَدَّمَة إلى البلدان أو الشعوب الأجنبية، ويشير مفهوم المساعدات الدولية عمومًا إلى المساعدات الإنمائية الرسمية، والتي تشمل جميع المنح والقروض التفضيلية المُحَوَّلَة من ميزانية دولة « متقدمة » إلى دولة « نامية »، ويُستخدم مصطلح « المساعدات الدولية » لوصف المساعدات الإنمائية الرسمية التي تقدمها الدول أو المنظمات والمُؤسّسات الدولية مثل البنك العالمي والمساعدات المقدمة من قبل المنظمات الخاصة أو التشاركية أو الخيرية (المؤسسات والمنظمات غير الحكومية والمنظمات الدينية، إلخ)، وقد تشمل المساعدات في شكل تبرعات، نقدًا أو عينًا، وقروض بأسعار تفضيلية أو حتى إلغاء الديون، ويتضمن كلا المَفْهُومَيْن مساعدات التنمية الأكثر تحديدًا والتي تُفهم عمومًا على أنها مساعدات هيكلية متوسطة أو طويلة الأجل « لمعالجة أسباب التخلف »، والمساعدات الإنسانية أو حالة طوارئ تتكون من تقديم المساعدة قصيرة أو متوسطة المدى للاستجابة لتأثيرات كارثة طبيعية أو جائحة أو أمر طارئ، وبالتالي فالمساعدات الدولية متنوعة ويمكن أن تشمل برامج محو الأمية ممول من قبل منظمة غير حكومية باستخدام التبرعات التي تم جمعها من الجمهور، أو تحويل مالي مباشر من حكومة الدولة الغنية إلى الدّولة الفقيرة أو مساهمة في صندوق الأمم المتحدة أو حملة تطعيم ضد شلل الأطفال أو إرسال متعاونين، وقد تتضمن كذلك إلغاء الدّيْن العام أو قُوضًا بمعدل فائدة تفضيلي مع فترات سماح بالسداد خلال عدد من السنوات…
مهما تعدّدت التعريفات والمفاهيم بشأن المساعدات الدولية والتنمية، فإن الأسباب الاقتصادية هي الأسباب الرئيسية، وهناك ارتباط كبير بين تطور الفكر الاقتصادي السائد وتطور ممارسة المساعدات الدولية ومفهوم التنمية، ولا تتلقى الدّول التي يختلف نظامها السياسي مع الدّول الإمبريالية أي مساعدات ( مثل كوبا أو فنزويلا أو إيران ) بل تتجه « المساعدات نحو « البلدان النامية » التي تعلن ولاءها للإمبريالية وتُنفّذ المبادئ التوجيهية التي تفرضها الدّول الإمبريالية والمؤسسات المالية الدّولية…
من جهة أخرى، وجب التنبيه إلى دَوْر مجموعات الضّغط التي تُموّلها الشركات الكبرى وغُرف التجارة ونقابات أرباب العمل الفلاحي والصناعي والخدماتي والقادرة على توجيه مستويات وطبيعة وأهداف الدّعم ( الأمريكي أو الألماني على سبيل المثال) نحو البلدان التي تضم المواد الأولية أو أسواقًا تجارية واسعة وفئات وسطى ( فئة المُستهلكين) قادرة على شراء السلع الأجنبية المُستورَدَة، وتُقدّم بعض القُروض في شكل « مُساعدات » مقابل تلبية بعض الشروط كتحرير الأسواق وفتحها، وخصخصة المؤسسات العامة، وتقليص استثمارات الدولة، وتقليص حجم الخدمة المدنية، وهي جزء من « الإصلاحات الهيكلية »، وتريد هذه المجموعات – التي تستأثر بالمساعدات الحكومية من المال العام – استخدام « المساعدات » فتجعلها وسيلة لتوسيع مجال صادراتها إلى أسواق جديدة، مما يُعرقل نمو رأس المال المحلي بالدّول الفقيرة، أو للحصول على المواد الخام بأسعار منخفضة، في إطار التبادل غير المتكافئ بين « المركز » و « الأطراف »، وعمومًا تخضع « المُساعدات » الخارجية إلى ( وترتبط ب) أهداف الدول « المانحة » ومصالحها السياسية والإقتصادية والأيديولوجية…
أدّى تطبيق برامج التكيف الهيكلي الذي فرضه صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي ( نيابةً عن الدّول الإمبريالية) منذ عقد الثمانينيات من القرن العشرين ( عقد حُكم مارغريت تاتشر في بريطانيا ورونالد ريغن في الولايات المتحدة ) إلى انهيار الخدمات العمومية في الدّول الفقيرة (« النامية ») وإلى الركود الإقتصادي وتراجع المؤشرات الاجتماعية، وزيادة الفقر، لأن المساعدات تخضع بشكل أساسي إلى معايير إيديولوجية وولاء حكومات الدّول المُتلَقِيَة « للمساعدات » لمانحيها من الدّول الإمبريالية، أي إن المساعدات تشترط الولاء العقائدي والسياسي، وفق جوزيف ستيغليتز الذي كان مديرًا بالبنك العالمي…
« المُساعدات » الأمريكية
تعد قارة إفريقيا المستفيد الرئيسي من المساعدات التي تقدمها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، حيث حصلت دول إفريقيا الواقعة جنوب الصّحراء الكبرى على نحو 11 مليار دولارا من ميزانية إجمالية قدرها أربعون مليار دولارا سنة 2023، من خلال المنظمات غير الحكومية أو الوكالات الدولية أو الاتفاقيات الثنائية، وكانت الحبشة وجنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية من المستفيدين الرئيسيين من هذا التّمويل الأمريكي، وهي ثلاث دول عانت من الصراعات المسلحة لعدة سنوات، ويعتمد سكانها إلى حد كبير على المساعدات الإنسانية للحصول على الرعاية الطبية والغذاء، وتمثل « المُساعدات الأمريكية في جنوب السودان نحو 7% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وفقاً لأرقام مركز التنمية العالمية، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، كما يتصدر قطاع الصحة قائمة استثمارات الوكالة الأميركية للتنمية الدولية في القارة، لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، ومن خلال برنامجها « بيبفار » وهي الخطة الطارئة للإغاثة من الإيدز، وتلقت دولة جدنوب إفريقيا التي تُعد من إحدى الدّول الأكثر تضرراً منه، مساعدات أميركية نحو 500 مليون دولار سنة 2023، أو 17% من الميزانية المخصصة لمكافحة فيروس نقص المناعة البشرية، وقد يتوقّف تمويل مثل هذه البرامج الصّحّيّة سنة 2025، نتيجة لقرار خفض ميزانية ونشاط الوكالة الأمريكية للتعاون الدّولي في بلدان عديدة مثل نيجيريا وغانا وغيرها.
أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، يوم العاشر من آذار/مارس 2025، عن الانتهاء من مراجعة البرامج في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وسيتم خفض 83% من المساعدات، وستكون بلدان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى أول المتأثرين بهذا « الإنسحاب » الأمريكي، لأنها ثاني أكبر منطقة متلقية لتمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية على مستوى العالم (بعد أوكرانيا ( بنسبة 40% من ميزانيتها في سنة 2023 )،
كانت البلدان الخمسة التالية، الواقعة جنوب الصحراء الكبرى: الصومال وجمهورية أفريقيا الوسطى وليبيريا وملاوي وموزامبيق هي البلدان التي استفادت أكثر من غيرها من مساعدات التنمية التي قدمتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لإفريقيا سنة 2023، واستفادت منها ثلاثة مجالات رئيسية: المساعدات الإنسانية (47%)، والصحة (38%)، والتنمية الاقتصادية (8% )، وسوف تكون العواقب وخيمة لهذا الانقطاع المفاجئ لتمويل برامج الصحة ومكافحة الأمراض القاتلة للسكان المحليين.
بَرَّرَ دونالد ترامب تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بسياسته » « أمريكا أولاً » التي تهدف إعطاء الأولوية للمصالح الوطنية المباشرة على حساب الشراكات الدولية الاستراتيجية، وسوف تتم إعادة التفاوض على الاتفاقيات الاستراتيجية مع البلدان الأفريقية، بهدف ترجيح المصالح الأمريكية، والحصول على مزايا اقتصادية وتجارية، وخاصة في قطاع المعادن.
تصدر ست دول أفريقية جنوب الصحراء الكبرى( جنوب إفريقيا ونيجيريا وغانا والنيجر وليبيريا وتوغو) سلعًا إلى الولايات المتحدة، وستكون هذه البلدان عُرْضَةً بشكل خاص للتعريفات الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة التي قد تُخاطر بتعريض الموقف الاستراتيجي لأميركا لمنافسة الصين، لكن لا تبدو قارة إفريقيا حاليا من بين الأولويات الدبلوماسية لدونالد ترامب، حيث لم يتم ذكر هذه القارة التي يبلغ عدد سكانها 1,4 مليار نسمة مطلقًا خلال حملته الانتخابية، ولكن أحد أول قراراته كرئيس كان تفكيك الوكالة الأميركية للتنمية الدولية تقريباً، وهو قرار يؤثر اليوم على أفريقيا أكثر من أي منطقة أخرى في العالم.
تُعاني « مناطق الصراع »، وخاصة المنطقة المحيطة بالصحراء الكبرى، من عدم الاستقرار والعنف المُسْتَمِرَّيْن. من مالي إلى النيجر ونيجيريا والسودان والحبشة والصومال، حيث تنفذ المنظمات الإرهابية المسلحة هجمات منتظمة، كما تتميز منطقة البحيرات الكُبْرى، وخصوصًا جمهورية الكونغو الديمقراطية، بالاشتباكات بين الفصائل المختلفة، والتي غالبا ما تغذيها التنافسات والصراعات على السيطرة على الموارد الطبيعية، مما يؤدّي إلى خسائر بشرية كبيرة وتحديات أمنية ونزوح السكان وتعطيل الحياة الطبيعية وحرمان السكان المحليين من العيش في مناطقهم الأصلية والتمتع بثرواتهم، وأدّت هذه الصّراعات المسلّحة إلى انعدام الأمن الغذائي الشديد في العديد من الدول الأفريقية، وبدل العمل على وقف الحروب وجشع الشركات العابرة للقارات، قدّمت الدّول الإمبريالية وإعلامها هذا الوضع كنتيجة طبيعية لتخلف إفريقيا وأهلها، وتم التركيز على « المساعدات الدّولية الإنسانية » وبالأخص « المساعدات الأميركية »، وحصلت دول مثل نيجيريا وجنوب السودان وجمهورية الكونغو على أكثر من 50% من مساعدات التنمية الخاصة بها من الولايات المتحدة، سنة 2023
تدهور الوضع في القارة
يشكل التضخم والديون العامة ضغوطا شديدة على ميزانيات الدول الأفريقية، ففي موزمبيق، يتم تخصيص 20% من الإنفاق العام لسداد فوائد الديون، ويتم إنفاق 7% فقط من الإنفاق العام على الصحة والتعليم والخدمات العامة الأخرى، وسوف يُؤَدِّي قرار إلغاء الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) إلى تفاقم الوضع الهش، في حين أن الحبشة متخلفة عن سداد ديونها، وتواجه موزمبيق صعوبات هائلة بعد أن تضاعفت ديونها ثلاث مرات خلال عشرين عاما، وسوف يُؤَدِّي ارتفاع الأسعار وقرار خفض أموال المساعدات الدّولية يجعل الوضع الصحي في البلدان الأفريقية أكثر خطورة،ولقد كانت للحرب في أوكرانيا عواقب وخيمة على أفريقيا التي تعاني من ديون عامة مرتفعة للغاية، وقد أدى سياق هذه الحرب في أوكرانيا إلى سباق إعادة التسلح الذي صاحبه خفض الإنفاق الاجتماعي والأموال المخصصة للمساعدات للدول النامية، وأصبحت شعوب أفريقيا ضحايا جانبية لهذه الحرب وللوضع الدولي، لأن الحرب أدت إلى تفاقم الوضع التضخمي مع ارتفاع أسعار المواد الخام والوقود والمنتجات الغذائية وغيرها.
لقد أدى سباق التسلح في الدول الغربية إلى خفض المساعدات للاجئين من الحروب وخفض تمويل برامج الرعاية الصحية وتنقية المياه وتضررت سيراليوني وجنوب السودان من خفض بريطانيا مساعداتها الدّولية بنسبة 50% قبل قرار الحكومة الأميركية تجميد المساعدات الخارجية للمنظمات الإنسانية التي تساعد آلاف اللاجئين في أفريقيا، مما اضطرها إلى تسريح مئات من العاملين المحليين في برامج مكافحة الإيدز والسل والملاريا، ولن يتم القضاء على مشاكل إفريقيا من خلال « المُساعدات » المسمومة التي يوقفها « المانحون » متى عَنَّ لهم، غير إن إلغاءها الفجئي يُخلّف مشاكل عديدة، فيما تحتاج أفريقيا تحتاج إلى استثمارات وبرامج تنمية حقيقية لأن « المُساعدات » الدّولية لا تهدف مساعدة الشعوب على تحرير أنفسهم، بل تهدف إبقاءهم تحت سيطرة الدول المانحة، مثلما وَرَد في دراسة نشرتها المجلة الفصلية ( ربيع 2025) لمعهد العلاقات الدولية والاستراتيجية (IRIS)، ويُشكل القرار الأمريكي بتعليق معظم أعمال الوكالة الأمريكية للتعاون الدّولي فرصةً للتفكير في أوجه القصور في نظام المساعدات الدولية، والحلول والملائمة لتعويض « المساعدات » الخارجية للبلدان منخفضة الدخل التي لا تخدم سوى مصالح « الجهات المانحة »، بحلول مُستدامة منبثقة من الواقع المَحَلِّي، تتضمن الاستثمارات الاستراتيجية والتجارة العادلة والتمويل الميسر ( وليس « المساعدات » )، ولا يمكن التعويل على المؤسسات المالية الدّولية لتمويل برامج التنمية ولإحداث تغييرات اقتصادية هيكلية في البلدان النامية، فقد رفضت المؤسسات المالية الدّولية دعم وتمويل إنشاء المصرف الإفريقي للطاقة الذي بادرت نيجيريا وليبيا وأنغولا إلى إنشائه، وتذرعت تلك المؤسسات المالية بحماية البيئة، ويهدف مشروع المصرف الإفريقي للطاقة إلى تعميم توزيع النفط والغاز والكهرباء، حيث لا يحصل نحو 600 مليون شخص، أو 43% من إجمالي سكان إفريقيا على الكهرباء، ويعيش أغلبهم في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، كما رفضت نفس المؤسسات تمويل تعاونيات المزارعين وحِرَفِيِّي الصناعات التقليدية في العديد من بلدان إفريقيا…
« المساعدات الإنسانية » مجرد واجهة للإستعمار الجديد
يُقَدّر سكان إفريقيا بنحو 1,4 مليار نسمة، وقُدِّرت قيمة « المُساعدات الإنمائية » التي تحصل عليها الأنظمة الحاكمة في إفريقيا بنحو ستين مليار دولارا، من بينها عشرين مليار دولارا من الولايات المتحدة، بينما تُقدّر قيمة صادرات المواد الخام من إفريقيا نحو الدّول الغنية بنحو 610 مليار دولارا سنويا، أي إن قيمة الثروات المنهوبة من إفريقيا تفوق عشرة أضعاف « مُساعدات التّنمية » المُصَنّفة « تبرعات » والتي تسبب إلغاؤها من قِبَل الولايات المتحدة في فوضى كبيرة في قطاعات التعليم والصّحة فِي بلدان إفريقية عديدة اعتادت التّرويج لثقافة البُؤس والصّدَقة والدفاع عن المؤسسات المالية الدولية مثل صندوق النقد الدّولي الذي تكون قُرُوضُهُ مشرُوطَةً بمعايير لا تستجيب لمتطلبات التنمية ولا تترك سوى مساحة ضئيلة للإستثمار الذي يتم تقليصه إلى الحد الأدنى…
يزعم صندوق النّقد الدّولي والبنك العالمي، منذ أكثر من ست عُقُود « إن الإدارة الجيدة للمالية العامة تشكل أحد الشروط لجذب الاستثمار الخاص وتنمية الاقتصاد » لكن هذا الخطاب الذي يُركز على موازنة الحسابات العامة، لم يُعْطِ نتائج إيجابية لأنّه لا يرتكز على واقع تلك البُلْدان، مثل غانا التي وقعت حكوماتها 17 اتفاقية مع صندوق النقد الدولي، ولكن اقتصادها لم يتحسّن وغابت التنمية المَوْعُودة، بلأصبحت الدّولة في حالة عجز عن السّداد بنهاية سنة 2022، لأن مؤسسات بريتون وودز ليست مصممة لمساعدة البلدان ( الإفريقية وغير الإفريقية) على التخلص من الفقر، بل إن قراراتها سياسية، وتفرض برامجها استراتيجيات تنموية خاطئة، ولا تخدم قرارات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي مصالح بضع عشرات من الشركات الرأسمالية « الغربية »، خلافًا للإستثمارات والقُروض الصينية غير المَرْفُوقة بشروط سياسية.
تحتاج أفريقيا إلى تصفية آثار الإستعمار وإدارة شؤونها بنفسها، وإلى الدعم والمساعدة غير المتحيزة والملموسة والمناسبة لسياق كل بلد من بلدانها، وبعضها يضم ثروات هائلة لا تعود بالنّفع على أغلبية السّكّان، وتتطلب تنمية أفريقيا قدراً كبيراً من مشاركة المواطنين، إذ لا يكفي إلغاء الدَّيْن أو بناء مدرسة، إذا لم تتوفر الموارد اللازمة لتوفير الرعاية الصحية والأطباء والمدارس والمعلمين، وبالتالي وجبت معالجة جذور المشاكل الحالية والأزمات التي تعيشها مختلف البلدان الإفريقية…
تقوم العديد من البلدان الغنية بتوزيع المساعدات النقدية على أفريقيا وتجبرها على استخدام هذه « المساعدات » في شراء الإنتاج الأوروبي أو الأمريكي، وتمارس في ذات الوقت سياسة الحماية الجمركية التي تُقصي إنتاج إفريقيا، لصالح قطاعات الصناعة والزراعة في البلدان الغنية، أي دعم الشركات الإحتكارية العابرة للقارات لجعلها أكثر قدرة على المنافسة، وهذا يشكل عقبة رئيسية أمام تقدم البلدان الفقيرة، حيث أن الوصول إلى هذه الأسواق أكثر صعوبة بالنسبة لها…
تُغذِّي « المُساعدات الدّولية » عَقْلِيّة ( ثقافة؟ ) الإعتماد على الغَيْر، ولا تهدف « المُساعدات » توفير حياة كريمة للشعوب الأخرى، بل غالبًا ما تكون المساعدة مقيدة بشروط مجحفة لأن الدّول التي تُقدّمها لا تفعل ذلك بإيثار، بل « لغايةٍ في نَفْسِ يعقوب »، أي لتعزيز مصالحها الاقتصادية والأيديولوجية، وسيطرتها علىلا الأنظمة السياسية المُستفيدة من فُتات « المثساعدات القاتلة » ( أو « المسمومة » ) على رأي الخبيرة الاقتصادية الزامبية دامبيسا مويو (كتاب « المساعدة القاتلة – 2009 » ). بَيَّنَ القرار الأمريكي بشأن وقف مساعدات الوكالة الأمريكية للتنمية الدّولية ضرورةَ التحول من نموذج غير مستدام للمساعدات إلى نظام يعزز المشاريع المحلية وتقرير المصير، وتوفير الغذاء والأدوية والسّكن والنّقل والكهرباء بأسعار معقولة…

مكانة إفريقيا في الأطماع الدّولية سنة 2025 : الطاهر المعز
بعض مظاهر التّغْيِير– الجزء الثاني
نحو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لصالح الصين
بدأ النفوذ الأوروبي في أفريقيا يتضاءل تدريجياً، منذ بداية القرن الواحد والعشرين، بالتوازي مع زيادة نفوذ الصين وزيادة المنافسة الأمريكية لفرنسا والإتحاد الأوروبي، ويسعى دونالد ترامب في المقام الأول إلى مواجهة نفوذ الصين، ولكن تجميد « المساعدات » الأميركية يؤدي إلى تفاقم زيادة « الإنسحاب الغربي » وتعزيز نفوذ الصين التي تركت بصمتها على الصعيد الاقتصادي، خلال عقدَيْن، فكانت – سنة 2003 – الشريك التجاري الرائد لأربع دول أفريقية، وأصبحت الشريك التجاري الرائد لسبع وعشرين دولة سنة 2023، في عام 2023، وارتفعت حصتها في تجارة القارة الأفريقية من 5% سنة 2003 إلى 16% سنة 2023، في حين انخفضت حصة الولايات المتحدة من 11% سنة 2003 إلى 5% سنة 2023، وتراجع نفوذ الغرب في أفريقيا، سواء الاقتصادي أو السياسي أو الثقافي أو العسكري وتراجعت حصة فرنسا من 10% سنة 2003 إلى 5% سنة 2023، فيما ارتفعت استثمارات الإمارات في قطاع المعادن واستثمارات روسيا في البلدان الثلاث التي تغيرت بها أنظمة الحكم ( بوركينا فاسو والنيجر ومالي)
مثل غياب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن الاجتماع الوزاري لمجموعة العشرين في جوهانسبرج (19-20 شباط/فبراير 2025) هذا النهج الجديد الذي تنتهجه الولايات المتحدة في أفريقيا وإشارة دبلوماسية وسط تصاعد التوترات التجارية والسياسية وتراجع النفوذ الأميركي الذي يترك الطريق مفتوحا أمام الصين في إفريقيا، وكانت الصين تركز على استغلال الموارد المعدنية الأفريقية قبل أن تطرح مع السلطات الإفريقية قضايا التنمية الاقتصادية التي برزت خلال القمة الصينية الأفريقية ( بكين – أيلول/سبتمبر 2024) حيث أعلنت الصين استثمار خمسين مليار دولارا في إفريقيا مما يُهدّد الولايات المتحدة بفقدان نفوذها في القارة الأفريقية.
استثمرت الصين مع إطلاق مشروع طريق الحرير الجديد سنة 2013 نحو 85 مليار دولار سنويا خارج حدودها، ويعادل هذا المبلغ ضعف إجمالي « المساعدات » الإنمائية الرسمية التي تلقتها أفريقيا خلال هذه الفترة، وفق دراسة نشرها معهد الأبحاث التابع لجامعة وليام وماري في الولايات المتحدة، ويتضمن هذا المبلغ ديون البلدان المتلقية، بدءاً بالدول الأفريقية، لأن الصين تدعم شركاتها مثلما تفعل الدّول الإمبريالية « الغربية »، فقد توجّهت نحو 70% من القروض الصينية في الخارج إلى شركات ومصارف مملوكة للدولة وإلى مؤسسات خاصة في الدول المستفيدة، وبالتالي، فإن هذه الديون، في معظمها، لا تظهر في حسابات هذه الدّول، وبمناسبة انعقاد النسخة الثامنة من منتدى التعاون الصيني الإفريقي ( داكار – تشرين الثاني/نوفمبر 2024) دعا وزير الاقتصاد السنغالي أمادو هوت الصين إلى إقامة علاقات أقل تركيزا على الديون وأكثر فائدة للاقتصادات الأفريقي، وأعلن المسؤولون الصينيون المُشاركون في المنتدى إن الصين أقرضت دولاً وشركات أفريقية بقيمة 153 مليار دولار بين سنتَيْ 2000 و2019
تقهقر أوروبي وتقدّم روسي
كانت المراكز الثقافية السوفييتية، قبل انهيار الإتحاد السوفييتي، فضاءً علميا ومكتبة ثرية للمطالعة ومدرسة لدراسة اللغة والثقافة والحضارة السوفييتية، وخفتت هذه المراكز، ثم عادت روسيا منذ حوالي عشر سنوات إلى الإهتمام بقارة إفريقيا، وخصوصًا منذ تراجع النفوذ الفرنسي والأوروبي، وأنشأت روسيا مراكز تُسمّى « البُيُوت الرّوسية » (Rossotrudnichestvo ) للترويج للفنون واللغة والثقافة الروسية، وبينما أغلقت دول الإتحاد الأوروبي حدودها أمام الطّلاب الإفريقيين، يدرس ما يقرب من 34 ألف أفريقي في روسيا للعام الدراسي 2024-2025، يتمتعون ب »منحة التعاون » من روسيا وفقا للسلطات الروسية، مقابل 57 ألف طالب أجنبي ( ممنوحين أو غير ممنوحين) في الولايات المتحدة و 282 ألف في دول الإتحاد الأوروبي، وتُتابع روسيا الحياة المهنية للخرّيجين من جامعاتها وتدعمهم وفق شهادات بعض الخريجين الذين استجوبتهم إذاعة فرنسا الدّولية ( RFI ) بهدف « تعزيز النظرة الإيجابية لروسكي مير أو العالم الرّوسي (russkiy mir ) في البلدان الإفريقية »، فضلا عن نشر الثقافة والتاريخ واللغة الروسية في هذه البلدان، بهدف إنشاء روابط عميقة ودائمة مع الجمهور الأفريقي، ونشرت صحيفة « الحياة الدّولية »، صحيفة وزارة الخارجية الروسية، مقالات وصور عديدة عن المُظاهرات في إفريقيا، والشعارات المندّدة بالسياسة الأوروبية (الفرنسية بشكل خاص) والأمريكية، وحمل العديد من المتظاهرين العلم الرّوسي، وتعترها مُؤشِّرًا لتوسّع مجال النفوذ الروسي، رغم الدّعاية السلبية المتواصلة التي تنشُرُها وسائل الإعلام الغربية…
الإتفاقيات العسكرية
عندما أصبح إيمانويل ماكرون رئيسا كان يوجد نحو خمسة آلاف عسكري في المستعمرات الفرنسية السابقة في إفريقيا الغربية، وفق الأرقام الرسمية، وتذرّعت فرنسا بالإرهاب في المنطقة المحيطة بالصّحراء للتّدخّل المباشر في ما لا يقل عن خمس بلدان إفريقية، وتَصَرَّفَ الجيش الفرنسي كالجيوش الغازية، دون احترام السّكّان المحلِّيِّين ولا الحكومات الإفريقية، فيما زادت وتيرة الإرهاب ضد سُكّان مالي والنّيجر وبوركينا فاسو ونيجيريا وغيرها، وتوسّعت رقعة العمليات الإرهابية لتشمل منطقة تمتد على حوالي خمسة ملايين كيلومتر مربع، كما شَدّدت السّلطات الفرنسية شُروط تأشيرة دخول فرنسا للسائحين والمُثقفين والطلبة والعمال الإفريقيين، بل تكثّفت الحملات العنصرية في فرنسا ضد الإفريقيين، ما عَمّق الشّرخ بين السّلطات الفرنسية والجاليات الإفريقية المُهاجرة وكذلك مع حكومات جل دول إفريقيا الغربية والوُسْطى، قبل وبَعْد انقلابات مالي والنّيجر وبوركينا فاسو…
أعلنت تشاد خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر2024 إنهاء اتفاقيتها العسكرية مع فرنسا، لتطيح بأحد أقدم أركان النفوذ الفرنسي في أفريقيا جنوب الصحراء، لأن الجيش الفرنسي كان يعتمد على الجيش التشادي لتنفيذ « المُهِمّات القَذِرَة »، وكانت البلاد مركزاً لوجستياً للعمليات العسكرية الفرنسية جنوب الصّحراء الكُبْرى، وظلت معقلاً أساسياً لفرنسا بعد إخراج جيشها من مالي وبوركينا فاسو والنيجر، قبل أن تفقد فرنسا تواجدها العسكري في السنغال وكذلك في آخر معاقلها: ساحل العاج.
من جهة أخرى يُمثل انسحاب القوات الفرنسية من تشاد مُفاجأةً لأن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان الرئيس الوحيد غير الإفريقي الذي حضر حفل تنصيب ديبي الإبن بعد وفاة والده في حادث طائرة سنة 2021، غير إن الجيش الفرنسي كان – على غير عادته – غائبًا عن عمليات مُطاردة الجيش التشادي والنيجيري عناصر مجموعة « بوكو حرام » على طول الحدود النيجيرية، خلال شهر تشرين الثاني/نوفمبر 2024، وتمكّنت فرنسا، من خلال قواعدها في تشاد وشبكات الخُبراء العسكريين والفَنِّيِّين والمُستشارين، من التّدخّل في غرب السّودان (دارفور) وقد تخسر فرنسا نفوذها في المنطقة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر – لكن لا يزال الفرنك الإفريقي العملة الرسمية لعدد من المُستعمرات الفرنسية السابقة – لتحل محلها الصين أو روسيا أو تركيا، وخصوصًا الولايات المتحدة التي تُفاوض سلطات تشاد في الكواليس لعودة القوات الخاصّة الأمريكية إلى تشاد، بعد أن استدعت أفرادها خلال شهر نيسان/أبريل 2024، فضلا عن دول أخرى تنتمي إلى الإتحاد الأوروبي مثل ألمانيا وهولندا وإيطاليا وإسبانيا التي عزّزت علاقاتها الإقتصادية لتصبح ألمانيا أكبر مُصدِّر أوروبي إلى إفريقيا فيما تعمل هولندا منذ سنة 2023 على إحياء شركة الهند الشرقية كأداة للتّوسّع الإستعماري، وأقرت إيطاليا « خطة ماتِيِّي » فيما وقّعت إسبانيا عدّة اتفاقيات مع دول إفريقية لوقف تدفق المهاجرين غير النّظاميين…
وقد تتَبَنّى السلطات الفرنسية التّدخّل عبر الطّائرات الآلية و »القوات الخاصة » بديلا عن القواعد العسكرية الثابتة والتدخّلات التقليدية بواسطة المرتزقة، إلى أن تتخلّى الدّول الإفريقية عن الفرنك الإفريقي ( CFA ) ويَنْحَلّ الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا ( ثماني دول) و مجموعة دول غرب أفريقيا (إيكواس)، والمجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط أفريقيا ( ست دول ) وهي آخر مظاهر الحقبة الاستعمارية التي لا تراعي سوى مصلحة فرنسا وشركاتها ومصارفها وآخر مظاهر النّفوذ الفرنسي في إفريقيا الغربية والوُسْطى الذي تمكّنت السلطات الفرنسية من المحافظة عليه بواسطة الفرنك الإفريقي والإنقلابات والإغتيالات والرّشاوى والُعُمُولات واستنزاف المال العام من خلال تَهْريب الثروات ورؤوس الأموال، وأدّت الهيمنة الفرنسية إلى إبقاء التجارة البَيْنِيّة بين دول منطقة الفرنك الإفريقي ضعيفة لا تتجاوز 15% من حجم تجارة البلدان الأعضاء ( أكثر من 60% بين البُلدان المُنْتَمِيَة لمنطقة اليورو، على سبيل المُقارنة) ولا تزال اقتصادات الدول الأعضاء تعتمد على صادرات المواد الخام إلى الأسواق الدولية، ولم تستفد سوى الشركات الفرنسية التي سيطرت على اقتصاد البلدان الناطقة بالفرنسية ومجموعة الفرنك الإفريقي الذي شكّل أداة للسيطرة الفرنسية حيث لا تتجاوز واردات فرنسا من هذه البلدان نسبة 10% من إجْمالي الواردات الفرنسية…
تحولت الإحتجاجات ضد الإمبريالية الفرنسية من تململ صامت إلى احتجاجات علنية منذ قرابة عشر سنوات إلى أن ظهرت حركة بالي سيتويين في بوركينا فاسو وائتلاف باستيف في السنغال، غير إن البديل لم يتبلْوَر بَعْدُ، حيث لا يزال الفرنك الإفريقي سائدًا في غياب مشروع عُمْلَة مُشتركة، ولم يتحقّق الإندماج الإقتصادي والتّجاري الإقليمي، مما يُعسّر عملية القَطْع مع النظام الذي لا يزال سائدًا منذ عقود…
من جهة أخرى لا تُشكّل الدّول التي طلبت سحب القوات الفرنسية كُتْلَةً مُتجانسةً، وحذّرت الأحزاب التّقدّمية الإفريقية من إعلان بعض الأنظمة المدعومة من فرنسا ( مثل تشاد وساحل العاج ) سحب القوات الفرنسية – دون إعلان التّخلِّي عن الإتفاقيات العسكرية لسنة 1961 مع بلدان عديدة منها السنغال وساحل العاج وتشاد والغابون وغيرها، بعد خسارة قواعد مالي وبوركينا فاسو والنيجر – وقد يستجيب هذه القرارات لاستراتيجية جديدة للإمبريالية الفرنسية والمتمثلة في إخفاء وجودها العسكري من خلال إنشاء « مواقع مُتقدّمة » صغيرة الحجم، بَدَل القواعد الثابتة، مع القيام بمناورات أو تدخّلات بطلب من الحكومات المحلية…
استغلّت الولايات المتحدة غضب الشعوب الإفريقية ضدّ فرنسا، فارتفعت وتيرة نشاط القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) ووقعت وزارة الحرب الأمريكية مع دولة بِنِين ( المتاخمة لبوركينا فاسو) اتفاقية تعاون عسكري ( تشرين الثاني/نوفمبر 2024)، وفق النّاطق باسم رئيس دولة بنين الذي ذكَّرَ بأنها تحديث للوثيقة الموقعة الاتفاقية بين البلدين سنة 2009، التي تتعهّد الولايات المتحدة بموجبها بتقديم الدعم اللُّوجيستي في سياق المناورات المشتركة والعمليات وتدريب القوات ونشرها وتأمين خدمات التوريد والدعم، خصوصًا أثناء الفترات « الحَرِجَة »، ونقلت الولايات المتحدة إلى بنين، قبل نهاية سنة 2024، 12 ناقلة جند مدرعة و280 لوحة مدرعة و35 جهاز راديو تكتيكي بقيمة 5,6 مليون دولارا، ويُخطّط الجيش الأمريكي لبناء موقع تدريب على القتال في المناطق الحضرية، تضم أبراج مراقبة وناقلات جُنود وطائرات هجومية، وبناء موقع مماثل في شمال شرق عاصمة السنغال بتكلفة 45 مليون دولار، وفق وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ الثامن من كانون الثاني/يناير 2025، فضلا عن إعلان قائد أفريكوم عن عُقُود مع بلدان إفريقية أخرى، في إطار « محاربة الإرهاب في غرب إفريقيا » حيث سيتدرّب الجنود الأمريكيون في مناطق تُشبه أحياء المُدُن الإفريقية على مراقبة المدنيين من خلال أبراج حراسة ونقاط تفتيش، وعلى تنفيذ المُداهمات اللّيلية والاعتداءات والاختراقات وكسْر الأبواب والنّوافذ ومراقبة الأسواق ونسف الأنفاق وخطوط الأنابيب…
تصنف الوثائق الحكومية الأمريكية ( وزارة الخارجية ووزارة الحرب ) السنغال على أنها « الحارس الرئيسي للسلام في غرب أفريقيا »، وتقوم بتدريب جنود السنغال منذ حوالي ستة عقود ( دون المساس بالنفوذ الفرنسي الكبير في السنغال) وتشارك وحدات حلف شمال الأطلسي في تدريب جنود السنغال بالقاعدتَيْن الأمريكِيّتَيْن، إحداهما قاعدة بحرية، وأبرم البلدان سنة 2016، اتفاقيات تسمح للقوات الأمريكية بالبقاء في الإقليم دون حد زمني، لمراقبة الوضع الأمني، خصوصًا على الحدود مع مالي، وأشادت وزارة الحرب الأمريكية بالشراكة طويلة الأمد مع القوات المُسلّحة السنغالية، وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عَرْضًا لبناء « مدينة سنغالية ( أو إفريقية ) مُصغّرة للتدريب العسكري في ضواحي العاصمة داكار تحتوي على مرافق وثكنات في الهواء الطلق ومباني سكنية ومدرسة وعيادة طبية وكنيسة واسعة ومسجد، بالإضافة إلى متاجر بيع بالتجزئة تشبه المرآب ومبنى إداري حكومي محاطًا بجدار أمني، وشبكة طرق منفصلة وأماكن لوقوف السيارات، للتدريب على تنفيذ العمليات العسكرية الحضرية وعمليات حماية المدنيين… »، ويُشبه هذا المشروع مركزًا لحلف شمال الأطلسي، تم إطلاقه في كازاخستان خريف سنة 2023.
يُعتَبَرُ هذا التعاون العسكري مُكمّلا للتعاون الاقتصادي، حيث تُحاول الشركات الأمريكية استخدام السنغال « لاختراق الأسواق الأفريقية الأخرى »، وحصلت الشركات الأمريكية، منذ سنة 2018، على عُقود لبناء الطرقات وشبكات الطاقة وغيرها من البنية التحتية اللازمة للشركات الأمريكية في السنغال والبلدان المجاورة ( موريتانيا وغامبيا وتوغو…) بقيمة ستمائة مليون دولارا…
أعلن رئيس وزراء السنغال (عثمان سونكو) خلال شهر كانون الأول/ديسمبر 2024 إن الحكومة ستغلق جميع القواعد العسكرية الأجنبية في البلاد سنة 2025، لكن الولايات المتحدة بصدد تعزيز وجودها العسكري في ضواحي العاصمة داكار وفي مدينة « تيِيسْ »، وهي استثمارات ستحصل منها الولايات المتحدة على عوائد، وأعلنت الولايات المتحدة منذ 2022، استبدال القواعد العسكرية الثابتة ووجودها العسكري الدائم ببرامج أمنية مختلفة، كجزء من استراتيجية وطنية متكاملة لتعزيز برنامج أفريكوم، ولا تقتصر الأنشطة الأمريكية في السنغال على المبادرات العسكرية، ففي 25 أيلول/سبتمبر 2024، التقى وزير الخارجية الأمريكي السابق أنتوني بلينكن قادة البلاد، حيث أعلن عن مساعدات إضافية بقيمة خمسة ملايين دولار لمكافحة الفساد، وفي الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2024، التقى مدير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية مع 85 ممثلًا عن « مجتمع الأعمال السنغالي » في مدينة « تييس »، حيث يرغب الأمريكيون في بناء مركز تدريب عسكري ، وأعلنت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إنها نفذت في منطقة تييس 23 مشروعًا تبلغ قيمتها حوالي 11 مليار فرنك أفريقي (17,3 مليون دولار) خلال خمس سنوات، وهي مشاريع متنوعة في مجالات الصحة والاقتصاد والأمن الغذائي، ومن المعروف إن الإمبريالية الأمريكية لا تستثمر أبدًا دون التأكد من الحصول على مكاسب تفوق قيمته أضعاف الإستثمار، وتخطط الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لاستثمار ما يقرب من 130 مليون دولار إضافية في السنغال، ونقلت الولايات المتحدة، يوم السابع من كانون الثاني/يناير 2025، معدات تبلغ قيمتها حوالي 450 مليون فرنك أفريقي (حوالي 750 ألف دولار) إلى قوات الدرك الوطنية السنغالية، لتتمكّن الولايات المتحدة من الإشراف على نظام الأمن والمراقبة وعلى نشاط الشرطة والدرك.
إنتاج الذّهب في إفريقيا الغربية
تحاول حكومة مالي ( إحدى أفقر دول العالم وثالث أكبر منتج إفريقي للذّهب) الضّغط على شركات التّعدين العاملة بالبلاد وصادرت ثلاثة أطنان من الذهب، بقيمة 260 مليون دولار كندي، من شركة التعدين العابرة للقارات كَنَدِيّة المَنْشأ « باريك غولد » التي تخوض نزاعًا طويلاً مع حكومة مالي بشأن توزيع الإيرادات، واتخذت حكومة مالي إجراءات قانونية ضدّ المسؤولين التّنْفِيذِيِّين لشركة « باريك غولد » بتهمة عدم إعادة إيرادات كافية إلى البلاد، وأصدرت محكمة بريطانية مذكرة اعتقال بحق « مارك بريستو »، الرئيس التنفيذي للشركة الكنَدِيّة بتهمة غسيل الأموال.
تُعَوِّلُ حكومة مالي كثيرًا على إيرادات قطاع التّعدين، وتسعى مع بعض الحكومات الإفريقية الأخرى ( النيجر و بوركينا فاسو و السنغال… ) إلى تعزيز مواردها من خلال الاستفادة من الثروة المعدنية التي تزخر بها البلاد، لتحسين إيرادات الدّولة ومواجهة ارتفاع معدلات الفقر ومخاطر الجوع، وتعدّدت النزاعات بين العديد من الحكومات الإفريقية – من بينها مالي – وشركات التّعدين الأجنبية العابرة للقارات بشأن مدفوعات الضرائب من قبل الشركات الأجنبية، مما أجْبَر حكومة مالي على انتهاج الصّرامة تجاه مسؤولين تنفيذيين من شركة باريك غولد الكَنَدِية و شركة ريزولوت مايننغ الأسترالية، بهدف استعادة السيطرة على الموارد الطبيعية للبلاد وزيادة عائدات الضرائب، واقترحت شركة باريك غولد دفع مبلغ من المال للحكومة، لكن تعثرت المفاوضات للتوصل إلى حل ودي.
في ساحل العاج المُجاورة لمَالِي، يُقدَّرُ حجم احتياطي الذّهب بنحو ستمائة طن وتُسيطر شركة « كولو غولد » العابرة للقارات ذات المَنْشَأ الكَنَدِي على نحو 90% من إنتاج البلاد، بعد توقيع عقد لاستغلال منجم « أسوفري » الذي يحتوي على كمية كبيرة من رواسب الذّهب، لتُسَيْطِرَ هذه الشركة على مساحة قدرُها 1900 كيلومترا مربعا، وتريد حكومة ساحل العاج مضاعفة إنتاجها من الذهب، لكن عمليات الإستكشاف والتنقيب تتطلب استثمارات كبيرة، فوقَّعت العديد من عُقُود الإستكشاف والدّراسات الجيوفيزيائية مع شركات التعدين الأجنبية ( معظمها أسترالية وكندية) في منجم « أسوفري » و « أسافو »، وفي مَشْرُوعَيْ « ساكسو » و « كوتو »…
منطقة الصَّحْراء الكُبرى ( أو « السّاحل »)
نظرًا للإرتفاع الكبير لسعر الذّهب في الأسواق الدّولية،طالبت السّلطة في مالي بإعادة التفاوض على العقود، فيما راجعت حكومة بوركينا فاسو قانون التعدين، وصادرت 200 كيلوغرام من الذهب من منجم تديره شركة كندية. أما حكومة النيجر فقد علّقت تصاريح استخراج اليورانيوم لشركة أورانو الفرنسية.
اعتقلت سُلُطات مالي المُدير التنفيذي لشركة ريزولوت ماينينغ الأسترالية، لفترة 12 يوما في العاصمة باماكو، ويبدو هذا الإعتقال بمثابة تحذير لمجموعات التعدين الأجنبية العاملة في مالي وفي جميع أنحاء منطقة « الساحل » ( المنطقة المُحيطة بالصّحراء الكُبْرى ) وتم الإفراج عن البريطاني تيرينس هولوهان وموظفين آخرين في شركة ريزولوت التي تدير منجم الذهب سياما في جنوب مالي يوم الأربعاء 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، بعد التوصل إلى اتفاق ينص على دفع 160 مليون دولار للحكومة المالية لتسوية نزاع مالي، وفي نهاية شهر أيلول/سبتمبر 2024، قضى عدد من كبار المسؤولين الماليين في شركة « باريك غولد » الكندية الكبرى، والتي كانت أيضا في نزاع مع سلطات البلاد، عدة أيام في السجن، ما جعل مسؤولي الشركات الأجنبية يشعرون بتغيير في تعامل سُلُطات هذه البلدان مع رأس المال الأجنبي الذي أصبح مُمثِّلُوه حَذِرِين، ويُحلّلون المخاطر المُحْتَمَلَة، بعدما كانوا يَرْتَعُون في هذه البُلْدان ويَتصرّفون بحرية لا قُيُودَ لها، ويُمارسون النّهب وتهريب الأموال إلى الخارج والتّهرّب من تسديد الضّرائب…
تُحاول السّلطات الجديدة في بلدان إفريقيا الغربية، والمُستعمرات الفرنسية السابقة، السيطرة على الثروات الطّبيعية، وتحاول حكومة مالي تحسين شروط استغلال عائدات صناعة التعدين، وقدّم الرئيس أسيمي غويتا سنة 2023، مشروعًا لإصلاح قانون التعدين ورَفْع حصّة الدولة إلى نحو 30% من الأسهم في المشاريع الجديدة وتقليص المزايا الضريبية للشركات الأجنبية، كما طالبت الحكومةُ الشركاتِ بإعادة التفاوض على العقود الحالية، بغض النظر عن الاتفاقيات المبرمة مع الإدارات السابقة، على خلفية الارتفاع المستمر في أسعار الذهب، الذي تُعَدُّ مالي ثالث أكبر منتج أفريقي له، والذي يشكل 75% من عائدات صادراتها، ويتطلّع المواطنون لزيادة إيرادات البلاد من صادرات الذّهب، لتحسين مستوى العيش، واعتبر المدير المالي لشركة « ريزولوت » إن ضغط حكومات غرب إفريقيا على الشركات لزيادة حصتها أمْرًا غير مشروع، رغم ارتفاع الأرباح الفصلية لشركات التّعدين بفعل الإرتفاع الكبير للأسعار.
تُطالب حكومة بوركينا فاسو بمزيد من السيادة للبلاد في قطاع الذهب الذي يمثل 12% من الناتج المحلي الإجمالي، ولذلك خضع قانون التعدين لمراجعة « مُفاجة » خلال شهر تموز/يوليو 2024، بهدف زيادة حصة الدولة في المشاريع الاستخراجية، وهدّد الرئيس الشركات متعددة الجنسيات، خلال بداية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2024، بسحب تصاريح التشغيل، إذا لم تستجب لشروط الحكومة، مما أَثَّرَ سَلْبًا على أَسْهُم هذه الشركات في سوق الأوراق المالية، وشهدت الشركات الكندية Iamgold وFortuna Silver Mines وOrezone Gold انخفاضًا حادًّا في تقييماتها، كما حدث مع شركة West African Resources الأسترالية، وتدّعي هذه الشركات إن انخفاض الطّلب وارتفاع مخاطر استخراج المعادن لا يسمح لها ( رغم ارتفاع الإيرادات والأرباح) بزيادة حصّة الدّول الإفريقية.
تزامن تذمُّر مسؤولي الشركات الأجنبية مع تدهور الوضع الأمني، وتروج إشاعات عن تآمُرِ هذه الشركات مع المجموعات الإرهابية لزعزعة استقرار البلدان التي تريد السيطرة على مواردها الطبيعية، وأدّت الهجمات الإرهابية في بوركينا فاسو إلى إغلاق العديد من المناجم فضلاً عن العديد من مواقع التعدين الذهبي الحرفي في السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد اتخاذ بعض الإجراءات، من بينها تجريد شركة اليورانيوم الفرنسية أورانو المُسيطرة على إنتاج البلاد من تصريح تشغيل أحد أكبر رواسب اليورانيوم في العالم، إيمورارين ( حزيران/يونيو 2024)، وأعلنت المجموعة الفرنسية، بنهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2024، أنها ستعلق الإنتاج في النيجير، كما سحب المجلس العسكري الحاكم في النيجر تصريح المجموعة الكندية GoviEx لاستغلال منجم كبير لليورانيوم بالقرب من أرليت…
تحاول تركيا استغلال فرصة الخلافات بين الشركات الأجنبية وسلطات هذه البلدان للاستفادة من الوضع، فَوَقَّعَتْ مع النيجر « اتفاقية تعاون في قطاع التعدين » ( نهاية شهر تشرين الأول/اكتوبر 2024) كما تحاول شركات التّعدين الرّوسية تعزيز وُجُودها في هذه البلدان، وفق وكالة نوفوستي ( منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2024).
امتدّت الخلافات بين سلطات دول غرب إفريقيا والشركات الأجنبية إلى السنغال وساحل العاج اللّتَيْن قرّرتا إغلاق القواعد العسكرية الفرنسية وإعادة النّظر في شُرُوط الإستثمارات الأجنبية لكن بصورة تدريجية، لكي لا تنسحب الشركات الغربية بين عشية وضحاها، وتترك فراغًا يعسر تلافيه خلال فترة قصيرة، وتُحاول روسيا استغلال الوضع (كما تركيا والصين والهند…) ودعمت إعادة تنظيم قطاع التعدين في إطار نظرة اقتصادية وجيوسياسية شاملة، ضمن توسيع علاقات الشراكة بين الدول الإفريقية والعالم، وعدم الإقتصار على الشركات الكندية والفرنسية والأسترالية…
اعتبر الرئيس السّنغالي (باسيرو ديوماي فايي ) إن شروط تشغيل المناجم وحقوق المحروقات والمواد الأولية غير عادلة وغير متوازنة، ولذلك أطلق عملية تدقيق لقطاع التعدين والنفط والغاز، خلال شهر نيسان/ابريل 2024، مباشرة بعد تولي منصبه، وتأمل حكومة السنغال أن يُؤدّيَ التّدقيق إلى إعادة التفاوض على بعض العقود لكي تعود بالنفع على السكان المحليين، وفي ساحل العاج، أعلنت الحكومة أيضًا اعتزامها إصلاح قانون التعدين الخاص بها، بهدف زيادة الإيرادات المحلية من إنتاج الذهب والمننيز والليثيوم وغيرها، وتجدر الإشارة إن الحسن واتارا، يرأسُ ساحل العاج منذ 2011، وهو مدير سابق بالبنك العالمي وعميل لفرنسا والولايات المتحدة، لكنه شَعُر بتغيير اتّجاه الرّأي العام المحلّي والإقليمي، « فاستيْقظ » فجأةً وأعلن إعادة النّظر في عُقود استغلال المناجم…
اضطرت بعض الشركات الأجنبية إلى التّفاوض وقُبُول بعض الشّرُوط، فيما رفضت شركات أخرى، وعلى سبيل المثال، أعلنت مجموعة « باريك غولد » الكندية يوم الثّلاثاء 14 كانون الثاني/يناير 2025، تعليق عملياتها في موقع لولو-جونكوتو للذهب في غرب مالي، وهو أحد أكبر مناجم الذّهب في العالم، إثر فشل المفاوضات التي استمرت عدّة أشهر، وجابهت سلطات البلاد تعنّتَ الشركة الكندية بتنفيذ الأمْر الإحترازي الذي أصدره القضاء المَحلِّي وأرسلت السلطات مروحية إلى موقع تخزين الذهب لتنفيذ عملية مصادرة كمية الذهب الموجودة في الموقع المُقَدّرة بنحو ثلاثة أطنان، وتندرج المُواجهة بين الشركة الكندية والدولة المالية بشأن أحد أكبر مجمعات الذهب في العالم، في سياق عام من الضغوط المتزايدة على شركات التعدين الأجنبية، ويسعى الجيش، الذي يُسيطر على السّلطة منذ سنة 2020، إلى الحصول على حصة أكبر من إيرادات المعادن ومن ضمنها الذّهب الذي ينتجه منجم لولو-جونكوتو، الذي تمتلك شركة باريك غولد 80% منه والدولة المالية 20%، وأدّى الخلاف ( حول زيادة حصة الدّولة المالية ) إلى منع نَقْل شحنات الذهب من المنجم منذ أكثر من سبعة أسابيع، وكانت شركة « باريك غولد » قد حاولت ترهيب حكومة مالي عبر منحها إنذارا نهائيا للإفراج عن مخزوناتها، ولم يُؤدِّ التهديد إلى النتيجة التي كانت الشركة الكندية تتوقّعها، فقرّرت تعليق عملياتها، كوسيلة للضغط على الحكومة التي تواجه زيادة العمليات الإرهابية بدعم من أوكرانيا وبعض القوى الخارجية، وتُعدّ مالي من أفقر دول العالم، وهي ثالث أكبر منتج للذهب في إفريقيا، ويُساهم الذّهب بنحو 25% من ميزانية الدّولة وبنحو 75% من عائدات التصدير، وفق وكالة الصحافة الفرنسية – فرانس برس ( أ. ف. ب. 14 كانون الثاني/يناير 2025)
« اقتصاد السخط »
أدّت موجة ارتفاع الأسعار والتضخم، طيلة عامَيْن، في ظل ارتفاع الدُّيُون الحكومية، إلى تغذية الغضب الاجتماعي المتزايد في كينيا وأوغندا وغانا ونيجيريا وساحل العاج وغيرها من البلدان التي عاشت احتجاجات – منذ نهاية سنة 2024 – ضد تدهور الدّخل وظروف الحياة، مما أثار تخوفات خُبراء صندوق الدّولي ( 20 تشرين الثاني/نوفمبر و 06 كانون الأول/ديسمبر 2024) الذين يتابعون الوضع عن كثب، وعبروا – منذ تشرين الأول/اكتوبر 2024 – عن تخوفاتهم إزاء تصاعد ما سموه « الاضطرابات الاجتماعية » التي تم قمعها بِشدّة، دون إثارة اهتمام وسائل الإعلام الأمريكية والأوروبية، وفي الواقع فإن الغضب ناتج عن خفض الإنفاق الاجتماعي بسبب ارتفاع المبالغ المُخصّصة لسداد الديون وبسبب زيادات الأسعار وتفاقم سوء التغذية، ويعترف خبراء صندوق النقد الدولي: « إن الفقر ونقص الفرص وسوء الإدارة، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة والصعوبات قصيرة الأجل المرتبطة بالتعديلات الاقتصادية الكلية، كلها عوامل تؤدي إلى تأجيج الإحباطات الاجتماعية »، ويحذر صندوق النقد الدولي من أن « ارتفاع مستوى عدم المساواة والإقصاء (الحقيقي أو المتصور) يشكل أرضاً خصبة للاضطرابات الاجتماعية أو السياسية ».
أدت احتجاجات سنة 2024 و2025 ضد زيادات الضرائب في كينيا إلى مقتل ما لا يقل عن 60 شخصًا وإلى اعتقال العشرات وفي ساحل العاج، ألقي القبض على 25 عضوا من منصة المواطنين « العمل من أجل الشعب » أثناء تحضيرهم لمسيرة « سلمية » ( أيلول/سبتمبر 2024) وحُكم على 16 منهم بالسجن لمدة ستة أشهر بتهمة « الإخلال بالنظام العام »، وفي غانا، حظرت المحاكم جميع التجمعات منذ نهاية شهر تموز/يوليو 2024 على أساس أن الشرطة تفتقر إلى الأفراد اللازمين للسيطرة على العدد المتزايد من المظاهرات، وفي نيجيريا التي تشهد أسوأ أزمة اقتصادية خلال ثلاثة عقود، أسفرت حملة القمع ضد الاحتجاجات عن مقتل 21 شخصا على الأقل في ( آب/أغسطس 2024)، إثر ارتفاع أسعار المواد الغذائية بنسبة تزيد عن 40% على أساس سنوي وخفض بعض إعانات الوقود، لدى أكبر منتج للمحروقات في إفريقيا، وفي أوغندا، طالب المتظاهرون باستقالة رئيسة البرلمان أنيتا أمونغ، المشتبه بها في اختلاس الأموال.
أما عن دوافع الغضب فهي عديدة ومن بينها ارتفاع نسبة بطالة الشباب في أفريقيا، حيث يعاني 28% من الشباب من البطالة أو هم خارج النظام المدرسي، مقارنة بنحو 21% في المتوسط في البلدان الناشئة و12% في البلدان الغنية، زيادة على ارتفاع أسعار المستهلك وخفض الإنفاق الاجتماعي والصحي، وزيادة الضرائب في ظل انخفاض دخل أغلبية المواطنين، لتسديد الدّيُون التي أصبحت أكثر تكلفة بسبب ارتفاع أسعار الفائدة، وتستهلك الديون ما لا يقل عن 60% من ميزانية كينيا، على سبيل المثال، مما دفع رئيسها ويليام روتو إلى فرض زيادات ضريبية رغم الإحتجاجات…
مكانة إفريقيا في الأطماع الدّولية سنة 2025 : الطاهر المعز
الجزء الثالث إفريقيا بين الثروات الطّبيعية والدُّيُون والفَقْر
عانت قارة إفريقيا من العُبُودية، بداية من القرن الخامس عشر، حيث كانت السُّفُن الضّخمة تشحن ملايين الشباب الذين يتم اصطيادهم واقتيادهم بهدف بيْعِهم في أمريكا الجنوبية وجزر بحر الكاريبي ثم في أمريكا الشمالية من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر، لتصبح الولايات المتحدة – بفضل العبودية والعمل المجاني في المزارع ثم في المصانع والسّجون – أكبر قوة امبريالية عالمية، وتعرّضت قارة إفريقيا – خصوصًا المناطق السّاحلية – للإستعمار الأوروبي المباشر، ثم الإستعمار غير المباشر الذي لا يزال سائدًا، لأن "الاستقلال" الشّكْلِي لم يُؤَدِّ إلى التّخلُّص من الهيمنة الإمبريالية التي نَصّبت عُملاءها على رأس جهاز الدولة ليخْدِموا المصالح الإمبريالية والشركات التي تحتكر استغلال الثروات الطّبيعية الهائلة...
من مظاهر الهيمنة
استعمرت فرنسا المغرب العربي والبلدان الإفريقية الواقعة جنوب الصّحراء الكبرى ( إفريقيا الغربية) وبعد الإستقلال الشّكلي ( أو الزّائِف ) بقيت الإمبريالية الفرنسية مُهَيْمنة بقوة من خلال الفرنك الإفريقي ( CFA ) ومن خلال القواعد العسكرية واستخدام اللغة الفرنسية كلغة رسمية للعديد من الدّول ومن خلال الهيمنة الإقتصادية للمصارف والشركات في 14 دولة بغرب ووسط إفريقيا وفي مقدّمتها الدّول التي تستخدم الفرنك الإفريقي – CFA – (بينين وتوغو وبوركينا فاسو ومالي والسنغال وساحل العاج والنيجر وغينيا بيساو وتشاد والكاميرون وجمهورية وسط إفريقيا وغينيا الاستوائية والغابون)، وهي مُضطرّة إلى إيداع نصف احتياطاتها من النّقد الأجنبي في المصرف المركزي الفرنسي – مع شُرُوط أخرى عديدة – أو ما يُعادل 500 مليار دولار سنوياً ولا تمتلك الدّول الإفريقية أي سُلْطَة لاستخدام هذه الأموال، ما يَحُدُّ من قدرة هذه الدّول على الإستثمار في التنمية الإقتصادية والزراعة والتصنيع، بل يُشكّل الفرنك الإفريقي ذريعة لتدفقات رأس المال إلى الخارج، بينما بقيت 11 من أصل 14 دولة من دول الفرنك الإفريقي – CFA – من الدّول الأقل نموّاً في العالم وتقع في أسفل مؤشر التنمية البشرية، وفق بيانات الأمم المتحدة، وبذلك بقيت فرنسا، بعد الإستقلال الشّكلي لهذه البلدان، مُسَيْطِرَة على اقتصاد إفريقيا الغربية والوُسطى.
قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك ( آذار/مارس 2008 ): « لولا إفريقيا لأصبحت قُوّة فرنسا تُضاهي دولة من العالم الثالث » ، وسبَقَ أن صرّح الرئيس فرنسوا ميتران: » لن يكون لفرنسا تاريخ في القرن الحادي والعشرين، بدون إفريقيا »، ولذلك تعمل فرنسا بكل قُواها على استمرار علاقات الهيمنة واستغلال موارد إفريقيا وتستخدم النّهب والإنقلابات والتّدخُّل السافر في شؤون دول إفريقيا، فضلا عن تكثيف النهب الذي تمارسه المؤسسات والشركات الفرنسية في المنطقة.
أعلنت فرنسا « فك الإرتباط » بالفرنك الإفريقي ( أيار/مايو 2020) لكن لم يتغير شيء من حيث التطبيق العملي، ولم تتحرّر الدّول الإفريقية المَعْنِيّة من التّبَعِيّة والإرتباط المَفْرُوض لأن الترتيبات الجديدة – التي لم يتم تطبيقها – تسمح لفرنسا بمواصلة دورها كضامن لاحتياطات دول غرب إفريقيا ( إيكواس – ECOWAS ) واستمرار سُلْطتها على احتياطات تلك الدّوَل، ولكنّها لم تَعُدْ مُلْزَمَة بمساعدة دول CFA في حال حدوث أزمة، فيما تظَلُّ الشركات والأعمال الفرنسية تتمتّع بأفضليّة في مجال العُقُود والطُّرُوحات العامة، كما احتفظت فرنسا بالحق الحصري في بيع السلاح والعتاد وتدريب الجيوش الإفريقية، مما يَسَّر إشراف فرنسا على الإنقلابات التي تخدم شركاتها ومصالحها.
القواعد العسكرية الغربية
أصبحت الولايات المتحدة تُنافس فرنسا، خصوصًا منذ إقرار برنامج القيادة العسكرية الأمريكية في إفريقيا « أفريكوم »، ووقّعت الولايات المتحدة، سنة 2018،اتفاقية عسكرية مع غانا مقابل 20 مليون دولار، وحوّل الجيش الأمريكي مطار العاصمة « أَكْرَا » إلى قاعدة عسكرية تضُمُّ شبكة اتصالات ومخزن للذخيرة والأسلحة ومحورًا للرحلات العسكرية الجوية الأسبوعية من قاعدة رامشتاين الأمريكية في ألمانيا إلى غربي إفريقيا وأشارت « خطّة عمليات » وزارة الحرب الأمريكية للفترة 2018-2022، إن الجيش الأمريكي يمتلك أكثر من 568 ألفاً من الأصول، كالمباني والهياكل في 4800 موقع حول العالم، وتلعب إفريقيا دورًا مُهمًّا في الربط بين القواعد والأنشطة العسكرية الأمريكية في العالم، كما يقوم الجيش الأمريكي في إفريقيا تحت قيادة «أفريكوم Africom»، بمشاركة دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي، بمهام « تضمن مصالح الشركات الغربية وتدفُّق المواد الخام الضرورية لصناعة الأسلحة والصناعات الأخرى في دول الناتو، والحفاظ على حركة البضائع دون عوائق… » كما تتمثل مهام إفريكوم في تسعير « الحرب الباردة الجديدة » من خلال مراقبة المصالح التجارية الصينية والروسية في القارة الإفريقية، وأصدر الإتحاد الأوروبي ( بعد التّشاور مع الولايات المتحدة) سنة 2020 وثيقة بعنوان « الإستراتيجية الأوروبية الشاملة تجاه إفريقيا » التي تضمّنت « قلق الإتحاد الأوروبي من المنافسة غير النّزيهة في إفريقيا، بشأن استخراج واستغلال الموارد الطبيعية في القارة… »، واحتدم الصّراع الخَفِي بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة وروسيا والصّين من جهة أخرى، بداية من سنة 2021، إثر تغيير السلطة في مالي التي طالبت بانسحاب الجيش الفرنسي ( انسحب الجيش الفرنسي فعليا خلال شهر شباط/فبراير 2022)، ليزداد الحضور الرّوسي من خلال رفع المتظاهرين – ضد الهيمنة الفرنسية – العلم الروسي، ثم اضطرت القوات الفرنسية إلى الإنسحاب من بوركينا فاسو سنة 2023، ومن النيجر وطلبت تشاد كذلك سحب القوات الفرنسية الخ، وبذلك لعبت إفريقيا دَوْرًا رئيسيا في إعادة التّوازن وفرض معادلات جديدة تتجاوز تأثيراتها قارة إفريقيا، وأصبحت روسيا أكبر مورّد للأسلحة لإفريقيا، كما تُوَفِّرُ تقنيات جَمْع وتخزين المعلومات المُرْتَبِطَة بأمن الدّول الإفريقية…
من أسباب تراجع نفوذ « الغرب » في إفريقيا
لقد دمّرت المؤسسات الدوليّة التي تسيطر عليها الولايات المتحدة وأوروبا اقتصاد وأمن إفريقيا، من خلال تضخيم « المُساعدات » التي لا تخدم في واقع الأمر سوى مصالح الدّول الإمبريالية وشركاتها، كما مَوّلت هذه « المُساعدات » الفساد والحروب الأهلية، وأعاقت النمو الاقتصادي، بدل تمويل برامج التّنْمِية، وأصبحت هذه المُساعدات المَسْمُومة أحد أهم عوامل التّخلّف، وعلى سبيل المثال، عند انتشار وباء كوفيد، سنة 2020، وعَدَ صندوق النقد الدولي بمنح القروض دون شروط، وبتعليق تسديد الديون، وأعلن تخصيص مليارات الدّولارات بعنوان » مساعدة الدّول الفقيرة على التّعافي « ، ونشرت مؤسسة أوكسفام بحثاً سنة 2021، أثْبَتَ أنّ صندوق النقد الدّولي اشترط ( في 13 من أصل 15 برنامجاً ) « فَرْضَ إجراءات تقشّف تتضمّن الضرائب على الأغذية والوقود، أو إجراء اقتطاعات ضريبية هامّة تُعرّض الخدمات العامة للخطر »، وأظْهَر تقرير « مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية » سنة 2020، بعنوان « مجابهة التدفقات المالية غير الشرعية من أجل تنمية مستدامة في إفريقيا » إنّ حجم الأموال التي تمّ إخراجها من إفريقيا بشكل غير شرعي، نحو الملاذات الضريبية بلغت حتى سنة 2010، ما لا يقل عن 32 تريليون دولار، ويضُرّ هذا التّهريب للثروة خارج القارة بأسواقها المالية ويسلبها الموارد اللازمة للتنمية، كما أَظْهَرَ مؤشّر « الالتزام بتخفيض اللامساواة » ( سنة 2021) « إن 14 من أصل 16 دولة في غرب إفريقيا تخطط لتخفيض الإنفاق بمقدار 26,8 مليار دولار من أجل احتواء نزيف أزمة الديون التي شجعت عليها قروض صندوق النقد الدولي أثناء الوباء »…
أدّى الإستنزاف والنّهب الذي تُمارسه الدّول الإمبريالية وشركاتها والمُؤسّسات المالية البتي تُسيطر عليها ( صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي وغيرها ) إلى البحث عن بدائل، فأصبحت الصين أكبر شريك تجاري لأهم الدّول الإفريقية – خصوصًا ضمن مبادرة الحزام والطّريق »، مما ساهم في كَسْرِ الهيمنة « الغربية »، لأن الصين تُقرض بفوائد أقل ارتفاعًا وبشروط لا تتضمن جوانب سياسية، وسمحت القُروض الصّينية بإنجاز مشاريع التنمية والبنية التحتية وتكثيف التبادل التجاري وتنويع الصَّادرات والتدريب وتطوير المهارات، وقُدِّرت استثمارات الصين في إفريقيا بين سنتَيْ 2000 و 2014 بنحو 180 مليار دولار ولا تقتصر هذه الإستثمارات على استخراج المواد الخام، وفق منظمة التعاون والتنمية الإقتصادية، المناهضة للصين والتي تضم 34 اقتصاد عالمي، وفاقت تمويلات مصارف التنمية الصينية في إفريقيا جنوب الصحراء ( البالغة 23 مليار دولارا بين 2007 و 2020) ضِعْف تمويلات الولايات المتحدة وألمانيا واليابان وفرنسا، وأكثر من تمويلات البنك العالمي، وتحوّلت التمويلات الصينية من التركيز على البنية التحتية إلى تعزيز الشراكات والمبادلات التجارية…
الدّيُونتزايَدَ اعتماد الدّوَل الإفريقية على الإقتراض من المؤسسات المالية الدّولية وخصوصًا من صندوق النقد الدّولي مُقابل فوائد وشُرُوط مُجحفة، وتضم إفريقيا – سنة 2024 – عشر دول من بين أكثر البلدان مَدْيُونِيَّةً لصندوق النقد الدّولي، ويتعين على الدول الأفريقية مُجتمعة سداد عشرين مليار دولارا سنويّا على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وفق البنك الإفريقي للتنمية ( وهو فَرْعٌ من البنك العالمي) الذي أعلن عن إنشاء آلية الاستقرار المالي الأفريقي التي تتمثل في إعادة تمويل دُيُون الدّول الإفريقية مقابل « إصلاحات اقتصادية ومالية شاملة » بهدف « تقليل الاعتماد على الاقتراض المكلف من الأسواق الدولية »، وتتمثل هذه الشُّرُوط في خصخصة القطاع العام وممتلكات الدّولة، وخفض قيمة العُملة والتّخلِّي عن دعم السلع الغذائية والطاقة وخفض الإنفاق الحكومي على البرامج الإجتماعية والتعليم والصّحّة، مما يزيد من استدامة هشاشة اقتصاد هذه الدّول، فيما يعيش نحو ستمائة مليون إفريقي بدون كهرباء في مختلف أنحاء أفريقيا (أو ما يُسَمّى « فقر الطاقة »)، مما يجعل فُرَصَ التنمية المحلية والتّعليم والرّعاية الصّحّية والمُساواة بين الجنْسَيْن محدودة لهؤلاء الفُقراء.
كانت 65 دولة فقيرة ( نامية، بلغة المُؤسّسات المالية الدّولية ) تُعاني من ارتفاع مُستوى الدُّيُون الخارجية، ومن بينها الدّول الإفريقية، بين سنتَيْ 2011 و 2019 – قبل انتشار وباء « كوفيد – 19 » – وأعلن البنك العالمي ارتفاع « الديون العامة في عيّنة من 65 دولة نامية بنسبة 18% من ناتجها المحلي الإجمالي، وأكثر من ذلك بكثير في بعض الدّوَل، كما في إفريقيا ما تحت الصحراء، حيث ارتفعت نسبة الدين لتصل إلى 27% من الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول بالمتوسط »، ولم يتم إنفاق
هذه الديون على البنية التحتية والتطوير الاقتصادي الذي قد يؤدي إلى تنمية تُمكّن هذه البلدان من سداد الديون، بل تم استخدامها في سداد دُيُون سابقة، وعلى أي حال فالدّائنون يرفضون استخدام الدّيون من أجل التنمية، وأكّد تقرير نشرته منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة ( يونيسيف ) سنة 2029 (قبل كوفيد) » هناك 16 دولة إفريقية من إجمالي 25 دولة في العالم اضطرّها الدّائنون الخارجيون على تخصيص مبالغ لسداد ديونها تفوق حجم الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية »
حصل ذلك قبل انتشار وباء « كوفيد – 19 » الذي أدّى إلى الرّكود والتّقشّف وإلى زيادة ضغوط البنك العالمي وصندوق النقد الدولي وارتفاع حجم الديون الخارجية وأعبائها، وخصوصًا الدّيون « قصيرة الأجل » التي استخدمتها المؤسسات المالية الدولية لفرض برامج « الإصلاح الهَيْكَلِي » مما جعل بعض الدّول – بما فيها التي تمتلك مخزنات هائلة من المواد الأولية، مثل غينيا التي تمتلك أكثرَ من ثُلُث مخزون العالم من معدن البوكسيت – تعجز عن تمويل الخدمات الأساسية الضّرورية، وتتَنَصَّلُ مؤسّسات التّمويل ( مثل صندوق النّقد الدّولي) من مسؤوليتها في فَرْض الشّروط المُجحفة، وتدّعي – بدعم من وسائل الإعلام السّائد – إن « أزمة الديون » ناجمة عن سوء التّصرّف وسوء الإدارة وعن الفساد، وليست هذه الأزمة ناتجة عن الشّروط الصّارمة مثل خفض الدعم والتعديلات النقدية وبرامج التقشف، وتأثيرات هذه الإجراءات على القطاعات الاجتماعية الحيوية مثل الصحة والتعليم والبنية الأساسية، كما يحصل في الدول الإفريقية العشرة التي حصلت على أعلى قروض من صندوق النقد الدولي حتى بداية كانون الأول/ديسمبر 2024، والتي تُعدّ من أكثر الدّوَل مديونية في العالم، وفي مقدّمتها مصر وكينيا وأنغولا (الغنية بالنّفط) وغانا وساحل العاج والكونغو الدّيمقراطية والحبشة وجنوب إفريقيا والكامرون والسّنغال، وتتميز هذه الدّول بالإعتماد على المواد الأولية وعدم تنويع الإقتصاد…تأثير الدُّيُون على حياة المواطنين
ذكرنا في فقرة سابقة عدم استفادة المواطنين من هذه الدّيُون، بل كانت وبالاً على حياة النّاس، لأنهم يُسدّدون دُيُونًا لم يستفيدوا منها، بل تَضرّروا وتراجع مستوى عيشهم، مما زاد من غضب سُكّان مصر ( منذ كانون الثاني/يناير 1977) وتونس والمغرب ونيجيريا وساحل العاج وغيرها خلال العقْدَيْن الأخيرَيْن من القرن العشرين، وأدت الدّيون والأزمة الإقتصادية المستمرة، وارتفاع تكاليف المعيشة وانخفاض القيمة الحقيقية للدّخل إلى غضب المواطنين، وكانت تقارير البنك العالمي وصندوق النّقد الدّولي تتوقّع عودة « الاضطرابات الاجتماعية المتزايدة » خصوصًا في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، لأن هذه المؤسسات الدّولية تُدْرِكُ جيّدًا التّأثير السّلبي لشروطها على حياة المواطنين، بفعل ارتفاع الأسعار وإلغاء دعم السلع الأساسية وخصخصة القطاع العام، لكن لهذه المؤسسات دَوْرٌ وظيفي يتمثّل في خدمة أهداف الإمبريالية ( الرأسمالية في الحقبة الإحتكارية) وشركاتها العابرة للقارات، خصوصًا بعد انتشار وباء كوفيد، ثم بعد انطلاق الحرب في أوكرانيا حيث ارتفعت أسعار الحبوب – والمواد الغذائية عممًا – وأسعار الوقود والأسمدة، وهي سلع تستوردها الدّول الإفريقية بالعملات الأجنبية، مما أدّى إلى انطلاق احتجاجات ضخمة في كينيا وغانا ونيجيريا وغيرها من البلدان التي رفع مواطنوها لافتات كُتب عليها: « نحن جائعون » أو « الأسعار مرتفعة جداً » أو « أين الدولة؟ » أو « نحن فقراء لأننا نتعرض للسرقة وليس لعدم وجود المال في البلد »، وفق لافتات رُفِعت في نيروبي، عاصمة كينيا، وفي نيجيريا – أكبر منتج إفريقي للنفط والغاز – أثار رفع دعم الوقود سنة 2023 موجة من الاحتجاجات، من قِبَل النقابات العمالية والأحزاب والمنظمات الأهلية والطّلاّبية وغيرها، وفي كينيا حدثت صدامات بين قوات الشرطة والمواطنين الذين يحتجُّون على خفض الميزانية وارتفاع الضّرائب وارتفاع الأسعار ونسبة التضخم ( تموز/يوليو 2023 ).
اضطرت بعض الحكومات إلى التّراجع المُؤَقّت عن تطبيق تعليمات الدّائنين، مثلما حصل سابقًا وإثر احتجاجات عارمة في المغرب وتونس ومصر والأردن ونيجيريا وغانا وغيرها، بعد محاولات فاشلة لصدّ المتظاهرين، وبعد قتل وإصابة العشرات أو المئات من المواطنين، مثلما حصل في ساحل العاج، حيث أعلن الرئيس الحسن واتارا عن سلسلة من التدابير الرّمزية الرامية إلى تخفيف التوترات، ومن بينها زيادة رواتب موظفي الخدمة المدنية، ووضع حد أقصى لأسعار الضروريات الأساسية، وتقديم مساعدات انتقائية للأسر الأكثر فقرا، وهي إجراءات مؤقتة وقصيرة الأجل، ولا تُلبِّي الإحتياجات الأساسية، لأن الحل يكمن في التعويل على الموارد الذّاتية وتقليل الاعتماد على الواردات، ودعم صغار الفلاحين ووقف استنزاف الموارد وما إلى ذلك.
تُشِير الإحتجاجات الشعبية في البلدان الإفريقية منذ سنة 2022، إلى الغضب لأسباب اقتصادية تتعلق بانهيار مستوى المعيشة، وإلى ضرورة إرساء مجتمع عادل، لا يضطر شبابه إلى المغامرة بحياتهم في البحر الأبيض المتوسط أو في المحيطات بحثًا عن ظروف حياة أَفْضَلَ، لأن الوضع الحالي غير قابل للإستمرار.
موقع افريقيا في الحرب التجارية
يمكن اختيار قارة إفريقيا كنموذج لبلدان الأطراف الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية، فهي القارة التي لا تنال اهتمام الإمبريالية الأمريكية، باستثناء الموقع الإستراتيجي ولذلك أنشأت الولايات المتحدة خلال فترة رئاسة بوش الإبن القيادة العسكرية الأمريكية لإفريقيا ( أفريكوم)، وتمّ إنجاز المُخطط في ظل رئاسة باراك أوباما، وتقوم أفريكوم بما لا يقل عن 350 مناورة وتدريب مع جيوش إفريقيا سنويا، وتعمل الولايات المتحدة على منع المنافسين ( روسيا والصين والهند وتركيا وفرنسا…) من استغلال موارد إفريقيا التي يقدّر أن يرتفع عدد سكانها إلى أكثر من مليار شخص سنة 2050، ورغم الثروات الهائلة تُعاني شُعُوب إفريقيا من الدُّيُون الخارجية ومن الفقر، وتتجاوز معدلات بطالة الشباب في العديد من الدّول الإفريقية 30% وتُعاني معظم بلدان القارة من انهيار البنية التحتية الأساسية ورداءة خدمات الرعاية الصحية والتعليم…
نشرت الولايات المتحدة قواعد الطائرات المُسيّرة في إفريقيا، وجَرّبَ الجيش الأمريكي إرسال وحدات استطلاعية سريعة لتنفيذ الإعتداءات والتّدمير عن بُعْد، والانسحاب دون التعرض لخسائر، ولم تسلم قارة إفريقيا من الحرب التّجارية ومن الرُّسُوم الجمركية الإضافية
أقرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسوما جمركية يوم الثاني من نيسان/ابريل 2025 بنسب تتراوح بين 10% إلى 49% على جميع الواردات الأمريكية، مع رسوم إضافية أخرى على الصّين وبعض الدول، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإلى الرّكود الإقتصادي، ولم تَسْلم 184 دولة وجزيرة وإقليم، بالإضافة إلى دول الاتحاد الأوروبي الـ27، ولم تسلم دويلات الخليج النفطية من رُعونة دونالد ترامب، لأن الركود يؤدّي إلى انخفاض الطّلب على النّفط وإلى انخفاض أسعاره، فيما ترتفع أسعار السلع الأخرى – ومن بينها الغذاء والدّواء – التي تشملها الرّسوم الجمركية، وسوف يتضرّر اقتصاد مصر والأردن ( رُوّاد التّطبيع) وجميع البلدان العربية الأخرى، مثل السودان ولبنان واليمن والسعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان وسوريا والعراق والمغرب وتونس والجزائر وموريتانيا وليبيا وجزر القمر، وتراوحت الرسوم بين 20% ( الأردن) و 41% ( سوريا) وتراوحت الرسوم على سلع البلدان العربية الأخرى بين هاتيْن النّسْبَتَيْن، وتجدر الإشارة إلى بلوغ فائض تجارة السلع الأمريكية مع مصر 3,5 مليار دولار ومع السعودية 443,3 مليار دولارا ومع الإمارات 19,5 مليار دولارا سنة 2024، بحسب بيانات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة، وسوف تُؤدّي الحرب التجارية إلى ارتفاع أسعار العديد من المنتجات التي تستوردها الدول العربية، وسوف تكون الإمارات والسعودية والكويت الأشد تضرراً من القرارات الأمريكية، بحكم ارتفاع حجم تعاملاتها التجارية مع الولايات المتحدة، وعمومًا يُعتَبَرُ حجم الصادرات الأمريكية للدول العربية الأخرى صغير جداً مقارنة بالصين والاتحاد الأوروبي.
في إفريقيا، بلغت التعريفات الجمركية الأمريكية على منتجات « ليوسوتو » 50% فيما كانت أقل بالنسبة للدول الإفريقية الأخرى، وشملت الرسوم المنسوجات والمعادن والجلود، مع إلغاء « الامتيازات الضريبية » التي كانت سارية المفعول منذ سنة 2000، وسوف يتضرر اقتصاد « ليوسوتو » الذي تتجه نسبة تزيد عن 90% من صادراته من الملابس نحو الولايات المتحدة، ويشغل القطاع نحو 45 ألف عامل، معظمهم من النساء، كما سوف يتضرر اقتصاد مدغشقر وجزيرة موريشيوس من الرسوم الأمريكية التي تجاوزت نسبتها 40%، وبلغت الرسوم على صادرات أنغولا إلى الولايات المتحدة 32%، وصادرات جنوب إفريقيا 30%، وتراوحت الرسوم المفروضة على صادرات نيجيريا وكينيا والحبشة وغانا بين 10% و 14%، وأثارت الرسوم الجمركية الجديدة على بعض السلع الإفريقية موجة من التساؤلات حول دوافع وجدوى وتداعيات هذه القرارات – أحادية الجانب – على اقتصادات القارة الإفريقية وقد تُعيد رسم خريطة العلاقات التجارية بين إفريقيا وأمريكا، وتدفع الدّول الإفريقية إلى تعزيز العلاقات فيما بينها ومع الصين والاتحاد الأوروبي…
وجب استغلال الرسوم الجمركية الأمريكية للتفكير في إستراتيجيات اقتصادية تُحقّق التنمية المُستدامة وعدم الإقتصار على تصدير المعادن والمحروقات والمواد الخام، والتعاون الإقليمي من أجل خلق صناعات تحويلية وتلبية حاجة المواطنين في مجالات الأغذية والأدوية والرعاية الصحية والطاقة وغيرها، وتعزيز التكامل الاقتصادي العربي أو الآسيوي أو الإفريقي وزيادة التجارة البينية وتنويع الشراكات الإقتصادية مع البلدان التي لا تفرض شُرُوطًا سياسية ، والإستثمار المُشترك في مجالات البنية التحتية ( الطرقات والسكة الحديدية والموانئ ) والتكنولوجيا والتّأهيل…
تبحث جميع الدّول – الحليفة والمنافسة و »المُحايدة » – عن بدائل للحدّ من التبعية للولايات المتحدة وعملتها ( الدّولار) لأن الحرب التجارية تؤدّي إلى زيادة الأسعار وارتفاع نسبة التضخم وانخفاض الدّخل الحقيقي للأفراد وقد تؤدّي إلى انخفاض حجم الناتج الإجمالي العالمي، وتُعرقل الإستثمار، خصوصًا في البلدان الفقيرة التي تحتاج إلى تنشيط الإقتصاد وتنويع وزيادة الإنتاج لتلبية احتياجات المواطنين ولخلق فُرص عمل، ولا يمكن التّعويل على أي طرف خارجي ( لا الصين ولا الإتحاد الأوروبي ولا الولايات المتحدة) لتحقيق هذه الأهداف، مما يُؤكّد ضرورة خلق أُطُرٍ خاصة بالبلدان الفقيرة ( بلدان « الأطْراف » الواقعة تحت الهيمنة الإمبريالية) وتعزيز التبادل بينها، وخلق أُطُر ومؤسسات ديمقراطية داخل كل بلد تُمكّن المواطنين من الإدلاء برأيهم ومن المُشاركة في عمليات اتخاذ القرارات ( السياسية والإقتصادية) ذات الصبغة الآنية والمُسْتَقْبَلِيّة، وتنفيذ تلك القرارات ومتابعة إنجازها وتقويمها…
عندما شهدت النيجر تغييرات سياسية سنة 2023، أغلقت الدول المجاورة مثل بنين ونيجيريا حدودها، مما أدى إلى قطع طريق تجاري حيوي إلى المحيط الأطلسي، وأجبر الإغلاق القيادة الجديدة في النيجر على إعادة توجيه الحركة اللوجستية لصادراتها إلى ميناء لومي، عاصمة توغو، الذي أصبح منفذا استراتيجيا للتجارة مع تحالف دول الساحل، الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر.
يعد ميناء لومي ميناءً عميق المياه، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، استثمرت الحكومة التوغولية في تحسينه، مما أدى إلى مضاعفة قدرته على معالجة البضائع، وتجاوز حجم حركة النقل 30 مليون طن سنة 2024، مؤكداً بذلك مكانته المهيمنة في غرب أفريقيا، وأصبح منفَذًا موثوقًا بتدفق السلع من وإلى البلدان غير الساحلية في جنوب وشرق أفريقيا، وعزّزَ الميناء جاذبية توغو لتصبح البلاد منَصَّةً أساسيةً لخدمة الكيان السياسي الإقليمي الجديد، الذي خرج من هيمنة الإمبريالية الفرنسية، كما استخدمت توغو هذا الدّور اللوجيستي الجديد لتعزيز صادراتها التقليدية، كالقطن والفوسفات، وتوسيع وتطوير المناطق الصناعية، بدعم من البنية التحتية الحديثة التي تهدف إلى تحفيز المعالجة المحلية للمواد الخام، ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد توغو بنسبة 6% خلال السنوات الثلاث المقبلة، وهي وتيرة مستدامة في منطقة تتسم بعدم الاستقرار، وحققت توغو هذا المسار بفضل الديناميكية التي خلقها تحالف دول الساحل ( مالي والنيجر وبوركينا فاسو) التي تمكنت من تخفيف حدّة الحصار الذي فرضته دول غربي إفريقيا الخاضعة للإمبريالية…
خاتمة:
بعد موجات الإستقلال الشّكْلِي بقيت الإمبريالية الفرنسية وشركاتها ومصارفها مُهيمنة على المغرب العربي والمنطقة المُحيطة بالصّحراء وأجزاء واسعة من غربي ووسط إفريقيا، ولا تزال الإمبريالية الفرنسية تستغل وتنهب الثروات الطبيعية والمالية والبشرية الإفريقية، ونظّمت العديد من الإنقلابات والإغتيالات، سواء قبل الإستقلال الشّكلي للعديد من البلدان أو بعده، وركّزت على الإستعمار الثقافي من خلال اللغة والثقافة الفرنسية، وعلى الإستعمار المالي من خلال ربط العملة الموحدة في غرب أفريقيا بالفرنك الفرنسي ثم اليورو، ويسيطر المصرف المركزي الفرنسي على احتياطي عملة هذه البلدان وعلى تجارتها الخارجية، وأهملت فرنسا مساعدة القطاعات الإقتصادية والإنتاجية والإجتماعية، لكي لا ترتفع القدرة الإنتاجية، وقدرة اقتصاد البلدان المستهدفة ( المستعمرات الفرنسية ) على تجاوز حالة الفقر والتخلف، مما أدّى إلى تعدّد مظاهر الإحتجاج ضد الهيمنة الفرنسية خلال السنوات الأخيرة، فَتَراجَعَ نفوذ فرنسا واضطرت إلى سحب جيوشها من عدد من البلدان، رغم الشّكوك التي تحوم حول قرار تشاد وساحل العاج، ولذلك وجب الترحيب بأي قرار يُؤكّد سيادة هذه الدّول على أراضيها وثرواتها، مع الحذر من خلفيات أي قرار، ووردت في هذا المقال فقرة مُطوّلة عن السنغال الذي أصبح ائتلاف « باستيف » التّقدّمي يحكمه، لكن تقَدُّمِية حكام السنغال تتقهْقَر أمام النفوذ العسكري الأمريكي المُتعاظِم وأمام المشاريع العسكرية والإقتصادية الأمريكية في السنغال وفي إفريقيا، مما يستوجب التّأنِّي ودراسة الإنتماء الطّبقي لنظام الحكم، وليس الأصل الطّبقي للأفراد وعناصر الحكومة، بل ما هي الفئات ( والمصالح ) الطّبقية التي تخدمها هذه الحكومة، وحكومات مالي والنيجر وبوركينا فاسو…
رغم كثرة الحديث عن « مُساعدات الدّول والجهات المانحة للدّول الفقيرة »، ورغم التزام الدّول الغنية – منذ سنة 2002 – بزيادة المساعدات لتحقيق مجموعة من أهداف التنمية بحلول سنة 2015، ومجموعة ثانية بحلول سنة 2030، لم يتم تحقيق المجموعة الأولى من الأهداف ومن المستبعد تحقيق المجموعة الثانية…
تم تحديد مُعدّل « المُساعدات » العالمية بنحو 0,7% من الناتج الإجمالي للدّول الغنية، كهدف وجب بلوغه، لكن معظم الدّول الغنية لم تبلغ هذا الهدف المتواضع جدًّا، فالمساعدات الخارجية الإنمائية الأمريكية لم تبلغ نسبة 0,2% من الدّخل القومي وبريطانيا 0,56% واليابان 0,17% وإيطاليا 0,13% وكندا 0,32% ولم تصل أي منها نسبة 0,7 % فيما بلغت « مُساعدات » لكسمبورغ 1% والسويد 0,97% ودنمارك 0,83% وتشمل « المُساعدات » تمويل العديد من المنظمات « غير الحكومية » التي تشكل إحدى ركائز النفوذ الأجنبي وتُوجّه السياسات الخارجية لبعض الدّول الفقيرة، باسم الحَوْكَمَة والشّفافية أو مكافحة الإرهاب ولا علاقة للأخلاق أو القِيَم الإنسانية بالمُساعدات الدّولية، بل تحكمها الأهداف والمصالح الإستراتيجية والتجارية والثقافية للدّول « المانحة »…
لماذا تقدم الجهات المانحة مساعدات للدول الفقيرة؟ ما هي أهدافها ؟ ما هي خلفيات » الدوافع الإنسانية « ؟
تهدف المساعدات الخيرية في ظاهرها محاربة الجوع والبؤس في الدول الفقيرة وتهدف المساعدات الإقتصادية دعم جهود الدّول الفقيرة لتطوير مواردها وتحقيق النمو الإقتصادي، فضلا عن المساعدات السياسية والأمنية والعسكرية، لكن، تهدف جميعها في الحقيقة إلى خلق مناطق النفوذ الدّبلوماسية ( التصويت في المنظمات الدّولية) والإقتصادية وتتضمن استخراج المواد الأولية واستثمار الشركات في قطاعات الطاقة والإتصالات والبنية التحتية والسيطرة على قطاعات استراتيجية، وتصريف المنتجات، ويتضمن النفوذ العسكري إنشاء القواعد وبيع الأسلحة وتدريب القوات المسلحة وما إلى ذلك.
لا تهدف قُرُوض صندوق النقد الدولي والمؤسسات الشقيقة له، تنمية الدّول الفقيرة أو وضْع حدّ للفقر، بل تهدف استدامة الفقر وزيادة الدّيون لكي تُصبح مُزْمِنَة، لأن فَقْرَ دول الأطراف هو شَرْطَ ثراء الدّول الغنية الإمبريالية النافذة في صندوق النقد الدّولي، وبالتّالي فالصّندوق مُلْزَمٌ بالحفاظ على وبترسيخ واستدامة هذا الوضع، ولذلك تتجاهل وصفات صندوق النقد الدولي ضرورة سيطرة بلدان « الجنوب » على مواردها، بدل نهبها من قِبَل الشركات العابرة للقارات بذريعة اجتذاب الإستثمارات الأجنبية، وضرورة زيادة الرُّسُوم والضّرائب على هذه الشركات العابرة للقارات…
مَثَّلَ صندوق النقد الدّولي والبنك العالمي وأمثالُهما نموذج الهيمنة الإقتصادية والمالية، بَدَلَ ( وأحيانا إلى جانب ) الهيمنة العسكرية، وحان الوقت لإنشاء مؤسسات أخرى بديلة تقوم على التّعاون بدَلَ المنافسة الرّأسمالية، وإيجاد بديل لهيمنة الدّولار الأمريكي على سوق المواد الأولية والتحويلات المالية والتّجارة الدّولية، ومن الضروري تطوير وبلورة بعض المبادرات مثل إنشاء عملة إقليمية ( مقترح مطروح في أمريكا الجنوبية)، وإنشاء مصارف عمومية قارّيّة لتسهيل المبادلات التجارية الإقليمية وتمويل مشاريع التنمية والقطاعات المنتجة، بالتوازي مع تنمية موارد الدّولة من خلال رَفْع نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي، لاتثمار جزء منها في الإنفاق على البُنية التحتية وتعميم الطاقة والمياه النّقيّة والصّحة والتعليم والمسكن والنقل العمومي والضمان الاجتماعي، وما إلى ذلك…
الطاهر المعز
-
Une année d’accélération génocidaire occidentale du peuple palestinien

Une année d’accélération génocidaire occidentale du peuple palestinien par Dyala Hamzah* et Vincent Romani**
Un·e « bon·n·e » colonisé·e est mort·e ou impuissant·e
La résidualité victimaire des communautés autochtones qui ont survécu à plusieurs siècles de colonisation occidentale convient à nos élites et à notre conscience coloniale : on peut alors faire des musées, de « l’humanitaire », de la folklorisation, des célébrations, verser quelques larmes, coopter quelques individus, sans jamais remettre en cause la prédation économique, la structure extractiviste, le vol des terres, l’extermination. Mais pour peu que des individus ou des groupes colonisés se révoltent et résistent, que leur image écrasée se redresse, tombe alors, et toujours, le masque libéral, laissant place à la violence hideuse, à la cruauté, à la férocité blanche : de Oka aux territoires Wet’suwet’en, de la Nouvelle Calédonie à la Palestine, le droit de se défendre est toujours celui du colonisateur. Pour exister légitimement dans la conscience du colonisateur, la personne colonisée ne peut être que survivante impuissante, inférieure, isolée, « sauvée » et pleine de gratitude envers son colonisateur.
Jamais vous n’entendrez de nos gouvernants et de nos médias que les Palestinien·ne·s ont le droit de se défendre, y compris par la violence, comme le prévoient le préambule de la Déclaration universelle des droits humains et plusieurs résolutions de l’Assemblée générale des Nations unies. Dès que des Autochtones s’insurgent pour défendre leur existence et leurs droits politiques, le dicton colonial génocidaire universel resurgit immanquablement : « un·e bon·n·e colonisé·e· est un·e colonisé·e mort·e », cela, décliné dans tous les contextes. L’instrument le plus pernicieux consiste à mobiliser le narratif du « conflit symétrique », au nom d’une fausse neutralité : où Palestinien.ne.s et Israelien.ne.s sont constitué.e.s en deux parties égalisées. Contrevérité historique, ce narratif amplifie la propagande sioniste la plus grossière en niant la relation d’asymétrie coloniale qui dicte les rapports de pouvoir entre Israélien.ne.s et Palestinien.ne.s depuis 1948.
La subjectivité du tortionnaire s’impose à l’expérience de ses victimes
Jamais vous ne verrez dans nos médias dominants des personnes palestiniennes être humanisées à travers leurs projets, leurs histoires, leurs espoirs, leurs familles, et cela, en elles-mêmes et pour elles-mêmes, sans symétrisation avec des personnes juives israéliennes. Depuis un an, vous n’aurez eu droit qu’au calvaire, humanisant et compassionnel, des mort·e·s juif·ve·s israéliennes, avec leurs photos en médaillon, celles de leur famille et de leurs animaux : ainsi va le privilège colonial, qui prête une humanité au colonisateur et non au colonisé. Un assassinat au couteau, au pistolet, au fusil, peut être filmé et restitué médiatiquement ; mais ce n’est pas le cas du carnage provoqué par le largage de centaines de tonnes de bombes et d’obus américano- israéliens, car ces engins démembrent, éventrent, décapitent, calcinent : leurs explosions ne sont pas télévisables de près, pas télégéniques. Elles n’en constituent pas moins des milliers d’attentats terroristes contre une population civile sans défense, concentrée de force dans des camps qui deviennent des lieux de mise à mort en masse. Pourquoi la notion d’otage ne s’applique-t-elle donc pas à elle?
Les hôpitaux détruits délibérément ne peuvent plus sauver les blessé·e·s. Les puits détruits volontairement ne peuvent plus hydrater les survivant·e·s. Les médecins et humanitaires assassinés par Israël ne peuvent plus soigner et ravitailler la population. D’où ce chiffre prévisionnel de 186 000 mort·e·s palestinien·ne·s au 19 juin 2024, avancé par The Lancet presque un dixième des habitant·e·s de la bande de Gaza.
Soit : les 41.000 personnes massacrées, comptabilisées par le ministère de la santé palestinien; les personnes décédées à cause de l’absence ou inadéquation des soins; celles mises à mort par famine ou déshydratation; celles « disparues »,
c’est-à-dire, pulvérisées par les bombes, ou encore sous les décombres – celles donc dont les corps n’ont jamais été recouvrésLes hôpitaux détruits délibérément ne peuvent plus sauver les blessé·e·s. Les puits détruits volontairement ne peuvent plus hydrater les survivant·e·s. Les médecins et humanitaires assassinés par Israël ne peuvent plus soigner et ravitailler la population. D’où ce chiffre prévisionnel de 186 000 mort·e·s palestinien·ne·s au 19 juin 2024, avancé par The Lancet, presque un dixième des habitant·e·s de la bande de Gaza. Soit : les 41.000 personnes massacrées, comptabilisées par le ministère de la santé palestinien; les personnes décédées à cause de l’absence ou inadéquation des soins; celles mises à mort par famine ou déshydratation; celles « disparues », c’est-à-dire, pulvérisées par les bombes, ou encore sous les décombres – celles donc dont les corps n’ont jamais été recouvrés. Vous ne le saurez pas en lisant nos grands médias car plus de 120 journalistes palestiniens ont été assassiné·e·s à Gaza dans la complaisance hideuse de leurs « homologues » d’Occident, et ne peuvent plus vous informer. Au lieu de cela, une censure consciente et inconsciente, raciste et coloniale, s’est abattue sur les rédactions occidentales. Quand celles-ci s’expriment, c’est toujours pour rappeler le 7 octobre 2023, date de la contre-attaque palestinienne sanglante qui a fait des centaines de victimes civiles israéliennes mais aussi militaires, et sans que l’on ne sache encore aujourd’hui (et le saura-t-on jamais?) la part exacte de ces morts du fait des tirs d’aéronefs israéliens.
L’exterminabilité des Palestinien·ne·s est acquise et leur survie fait désormais problème
Comme si l’extermination de la Palestine et de son peuple avait commencé le 8 octobre 2023! Comme si la Nakba, c’est-à-dire le nettoyage ethnique de la Palestine en 1947-48, ses 90 massacres (90!), ses 530 villages dépeuplés puis rasés, et les guerres ultérieures n’avaient pas existé! Le projet sioniste mis en œuvre en Palestine porte en lui-même l’éradication des Palestinien·ne·s et leur remplacement. Entre 1948 et le 7 octobre 2023 seulement (c’est-à-dire, en excluant celles et ceux tué·e·s par l’occupant britannique et les milices sionistes entre 1917 et 1947), ce sont plus de 35 000 personnes palestiniennes qui ont été tuées par leurs colonisateurs. Quel média nous rappelle invariablement ce chiffre et ce mot de « Nakba », à chaque action violente palestinienne ? Depuis le 8 octobre 2023, soit en l’espace d’un an, ce sont désormais plus de 41 000 morts directes qui s’y ajoutent, et nous voyons que cela s’accélère encore, car la mort palestinienne n’est pas un « effet collatéral », mais bien un objectif direct, avoué et itératif du gouvernement israélien, pressé par le calendrier électoral états-unien.
Alors, que s’est-t-il passé en Israël depuis l’assassinat de Muhammad al-Durra, cet enfant de 12 ans tué à Gaza dans les bras de son père impuissant sous les tirs israéliens, en septembre 2000 ? Reconnaissant d’abord la culpabilité israélienne, la propagande sioniste avait ensuite âprement lutté pour nier cet assassinat, jusque dans les tribunaux, harcelant les journalistes à l’origine du reportage, manipulant les faits et les rapports. Depuis cet assassinat, l’ordre symbolique de l’humanité s’est inversé : il ne s’agit plus de nier l’assassinat d’un enfant palestinien, mais de justifier celui de dizaines de milliers d’autres, voire, de le célébrer, pour une grande part de la population israélienne juive. Vieux de plus de 75 ans, le mécanisme complexe d’innocentement, d’ignorance, et d’hubris coloniale s’est récemment emballé en Israël, avec la complaisance et la complicité croissante de sociétés occidentales, qui n’ont jamais remis en question leur propre colonialité et voient un miroir en Israël plus qu’un repoussoir. Mais, ce que la recherche montre depuis plus de 20 ans, c’est que l’économie israélienne a maintenant achevé la substitution du travail palestinien par la main d’œuvre juive, puis immigrée : les Palestinien·ne·s auparavant nécessaires du fait de leur exploitabilité économique sont devenu·e·s désormais complètement inutiles à Israël et donc exterminables, en trop ou périmé.e.s, sur leur propre territoire.
Le pouvoir colonial et la subjugation des sciences sociales
Se revendiquant de l’héritage intellectuel des Lumières – un paradoxe, quand on sait que ces dites Lumières ont accompagné toutes les exterminations coloniales, les guerres et les génocides européens – les régimes occidentaux sont tout à fait sourds aux recherches scientifiques sur la Palestine, tant la vérité des crimes coloniaux leur est insupportable. Miroir tendu à leur propre histoire, cette extermination coloniale vient pourtant s’opposer frontalement aux principes élémentaires de justice et d’humanité dont se prévaut toute société. En fait, ce niveau d’atrocités et d’injustices gratuites est tellement menaçant pour l’intégrité psychique des Occidentaux qu’il doit être ou bien nié ou bien justifié en retournant le blâme contre la victime.
Les sciences humaines et sociales ne permettent pas ici de blâmer la victime palestinienne du projet colonial sioniste et occidental : se dispensant de la vérité scientifique et lui substituant les mensonges prêts à consommer de la propagande israélienne, les médias, à la suite de nos gouvernants, ont érigé en ennemis les défenseur·e·s des droits de la personne, les militant·e·s pour la justice, universités et universitaires opposé·e·s aux discours génocidaires et aux politiques qui les accompagnent. Alors quelle différence entend-on faire, désormais, entre cette dispense et cette substitution (libérales!), et les promesses populistes d’un monde où faits historiques et vérités scientifiques sont instantanément commuables en fake news?
Les concepts de sciences sociales se multiplient depuis des décennies pour comprendre et désigner l’éradication coloniale sioniste des Palestinien·ne·s. Nakba, ethnocide, politicide, spatiocide, scholasticide, éducide, écocide, urbicide sont des notions utiles pour désigner tout ou partie du processus génocidaire actuel. En 2006 l’essai de l’historien Patrick Wolfe dans le Journal of Genocide Studies fait date à cet égard en expliquant comment les éradications coloniales visent invariablement à éliminer et remplacer les autochtones, et que c’est la rapidité variable de ce processus qui le qualifie parfois de génocidaire, lorsqu’il s’accélère brutalement, comme maintenant en Palestine. Mais des voix autochtones postulent l’inverse, tel Matthew wildcat qui pointe que le colonialisme d’établissement est invariablement génocidaire. Tamara Starblanket, chercheuse Cree, montre dans Suffer The Little Children à quel point la notion juridique de génocide a été volontairement appauvrie par rapport au sens que lui conférait son géniteur, Raphael Lemkin, mais aussi par rapport au sens qu’entendent lui donner les sociétés et communautés survivantes du colonialisme. Elle montre que son intégration au corpus du « droit positif » s’est faite par son évidement et son alignement sur les rapports de pouvoirs qui déterminent ce « droit positif ». C’est ainsi que l’action diplomatique du Canada a été déterminante pour faire supprimer l’élément de destruction culturelle de la liste des actes génocidaires de la Convention de 1949, permettant ainsi que le crime des pensionnats canadiens et québécois échappe à l’imputation génocidaire.
Plus largement, ce que démontrent beaucoup de communautés survivantes des génocides coloniaux, et aussi une part croissante de chercheuses et chercheurs, c’est la nécessité de décoloniser la notion même de génocide, de sorte à inclure les éradications coloniales passées et présentes, en prenant en compte l’entrelacement des éléments culturels, identitaires, environnementaux et territoriaux, ciblés par le colonialisme. Ce sont donc plusieurs temporalités génocidaires qui se superposent en Palestine, croisant expulsion de masse et de détail, vol des terres, massacres de nourrissons, enfants, adultes et aîné·e·s, destructions des économies, des cultures, des villes et villages, des routes, des puits, des écoles, des mosquées, des églises, des universités, des hôpitaux, jusqu’aux cimetières.
Dyala Hamzah : Professeure agrégée,Département d’histoire, Université de Montréal
Vincent Romani :Professeur agrégé, Département de science
politique Université du Québec à Montréal
photo par : Samir Youssef – sadaonline
Source : https://www.sadaonline.ca/ar/News/content/6891c67f-d8fd-4d49-9f2e-672c496e5d36
-
الطاهر المعز-مُتابعات – العدد الواحد والعشرون بعد المائة بتاريخ السّادس والعشرين من نيسان/ابريل 2025


مُتابعات – العدد الواحد والعشرون بعد المائة بتاريخ السّادس والعشرين من نيسان/ابريل 2025 : الطاهر المعز
يتضمن العدد الواحد والعشرون بعد المائة من نشرة « مُتابعات » الأسبوعية فقرة عن مُؤشّرات التطبيع العلني والمُسْتَتِر بين شُيُوخ الخليج والكيان الصّهيوني، وفقرة عن تأثير حرب أوكرانيا في تطور تجارة الأسلحة في أوروبا وفقرتان عن الحرب الإقتصادية وتفوق شركة ( BYD ) الصينية لصناعة السيارات الكهربائية على شركة تسلا الأمريكية سنة 2024 وما قد ينجَرّ عن الرسوم الجمركية الإضافية التي أعلنها دونالد ترامب يوم الثاني من نيسان/ابريل 2025، وفقرة عن تراجع اقتصاد أوروبا مُقارنة بالولايات المتحدة
في جبهة الأعداء – صهاينة العرب
أجْرت جُيُوش دُوَيْلات الخليج ( البحرَيْن والإمارات ) مناورة عسكرية بحرية مُشتركة مع الجيش الصهيوني بإشراف قوات البحرية الأمريكية، لمدّة خمسة أيام، بداية من يوم 15 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، من أجل « تأمين حركة الملاحة وتعزيز القُدْرة على العمل المُشترَك » مما أثار قلق السلطات الإيرانية، لأن هذه المناورات حصلت بعد سنة من توقيع « اتفاقيات أبراهام » ( أيلول/سبتمبر 2020 ) والتطبيع العلني لعلاقات الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني وتعزيز العلاقات الدبلوماسية والعسكرية والإستخباراتية، فيما تُعارض إيران وجود قوات بحرية أمريكية و »غربية » في منطقة الخليج.
قَطَعت دُوَيْلَة قَطَر أشواطًا في مسيرة التّطبيع، سواء من خلال العلاقات التجارية أو بواسطة قناة الجزيرة، حيث يبُثُّ الناطق باسم جيش الإحتلال ما شاء من السُّمُوم دون مُقاطعة أو مُعارَضة، أو من خلال إشارات أخرى، مثل مشاركة وزير الإعلام القَطَرِي في جنازة المُجرم إسحاق رابين سنة 1995، إلى جانب وزير خارجية عُمان، أو زيارة شمعون بيريز الدّوحة سنة 1996، كما وجب التّذكير « بالمصافحة التاريخية » ( وفق الإعلام الصهيوني) بين رئيس الكيان الصهيوني وأمير كيان قَطر خلال قمة المناخ في دٌبَيْ بعد حوالي شهْرَيْن من العدوان الصهيوني المستمر حاليا – منذ تشرين الأول/اكتوبر 2023 – على فلسطينيِّي غزة، والعديد من الخطوات التطبيعية الأخرى، وآخرها مقابلة رئيس وزراء مَشْيَخَة قَطَر مع قناة تلفزيونية صهيونية ( القناة 12 ) يوم الثامن والعشرين من كانون الثاني/يناير 2025، ولم يتوقف أمر التطبيع على الإعلام والدّبلوماسية بل تجاوزه إلى التطبيع العسكري ( أي إن الكيان الصهيوني صديق وليس عدو) حيث تُشارك قَطر في مناورات « إينيواخوس 2025 » الجوية التي تستضيفها اليونان في قاعدة أندرافيدا الجوّية، من الثالث إلى الحادي عشر من نيسان/ابريل 2025، وهي مناورات جوية سنوية متعدّدة الجنسيات، بمشاركة إحدى عشر دولة أخرى إضافة إلى اليونان ( الولايات المتحدة والكيان الصهيوني وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وقبرص وسلوفاكيا والهند والإمارات وقَطر والبحرين ) بهدف « تعزيز الشراكات الإستراتيجية وتبادل الخبرات والمساهمة في تحسين الجاهزية القتالية من خلال تنفيذ عمليات جوّية متنوّعة في بيئة تدريبية واقعية »
تجارة القَتْل
أوكرانيا تصبح أكبر مستورد للأسلحة في العالم
ارتفعت واردات أوكرانيا من الأسلحة من 0,1% من الواردات العالمية بين سنتَيْ 2015 و 2019 إلى 8,8% من واردات الأسلحة العالمية بين سنتَيْ 2020 و 2024 لتصبح – بفعل الحرب مع روسيا منذ شباط/فبراير 2022- أكبر مستورد للأسلحة في العالم، وأصبحت قارة أوروبا خلال نفس الفترة ثاني أكبر منطقة مستوردة للأسلحة في العالم بنسبة 28% من إجمالي الواردات العالمية بين سَنَتَيْ 2020 و2024، مقارنة بـ33% لآسيا وأوقيانوسيا، و27% ل »الشرق الأوسط »، وتدعم الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وبريطانيا ( حلف شمال الأطلسي) مشتريات الأسلحة وتَسْعِير الحرب، حيث أرسلت 35 دولة على الأقل أسلحة إلى أوكرانيا خلال السنوات الخمس الأخيرة، وتتصدر الولايات المتحدة القائمة (42% من الأسلحة التي تستوردها أوكرانيا)، تليها ألمانيا (12%) وبولندا (11%)، وبذلك تصبح أوكرانيا الدولة الأوروبية الوحيدة التي تظهر ضمن أكبر 10 مستوردين رئيسيين للأسلحة في العالم بين سَنَتَيْ 2020 و2024، ضمن عملية أشمَل – تتجاوز أوكرانيا وسابقة للحرب – حيث دعت الولايات المتحدة أوروبا، منذ فترة رئاسة باراك أوباما، إلى زيادة الإنفاق العسكري في إطار حلف شمال الأطلسي، مما أدّى إلى تنفيذ عملية إعادة التسلح وزيادة ميزانيات الحرب وارتفعت واردات الأسلحة للدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي بنسبة 105% بين الفترتين 2015-2019 و2020-2024، وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام الذي أشار إن المجمع الصناعي العسكري الأمريكي أول مُستفيد من إعادة تسليح أوروبا، ومثّلت الأسلحة الأمريكية 52% من واردات الأسلحة الأوروبية خلال الفترة 2015 – 2019 وارتفعت إلى 64% من المعدات العسكرية التي استوردتها الدول الأوروبية خلال السنوات الخمس الأخيرة 2020 – 2024، رغم القرارات التي أعلنتها الدّول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي لتقليل اعتمادها على واردات الأسلحة الأميركية وتعزيز صناعة الأسلحة الأوروبية، وقدّمت المُفَوّضية الأوروبية خطّة بقيمة 800 مليار يورو لإعادة تسليح أوروبا ووضع الأساس للدفاع الأوروبي، بدعم من ألمانيا وفرنسا وبولندا ودول أخرى التي تقوم بمراجعة استراتيجياتها العسكرية وزيادة الإنفاق الحربي وتعزيز السلاح النّوَوِي، فيما تُعارض دول أخرى من الإتحاد الأوروبي، مثل إسبانيا وإيطاليا، زيادة الإنفاق العسكري.
لا تزال الولايات المتحدة أكبر مُصدّر للأسلحة بنسبة 43% من إجمالي الصادرات العسكرية الدّولية خلال السنوات 2020 – 2024، واستفادت فرنسا من الحرب في أوكرانيا وتراجع الصادرات الروسية لتصبح ثاني أكبر مُصدّر عالمي للأسلحة بنسبة 9,6% من إجمالي الصادرات الحربية العالمية، وزادت صادراتها إلى الدول الأوروبية الأخرى بنسبة 187% مقارنة بالفترة السابقة، تليها روسيا بنسبة 7,8% خلال نفس الفترة، وأصبحت ألمانيا – التي كانت تحت الرقابة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية – تحتل المركز الخامس في هذا الترتيب بنسبة 5,6% من الأسلحة المصدرة في جميع أنحاء العالم بين سَنَتَيْ 2020 و2024، وتعد دول أوروبية أخرى، مثل إيطاليا وبريطانيا وإسبانيا وهولندا وبولندا والسويد والنرويج وسويسرا وأوكرانيا وجمهورية التشيك من أهم الدول العشرين المُصدّرة للأسلحة في العالم، بحسب معهد ستوكهولم لأبحاث السلام.
الحرب الإقتصادية الأمريكية 1
الرسوم أو التّعْريفات الجمركية هي ضرائب إضافية تُفرض على السلع المستوردة من دول أخرى، وتُمثل نسبة مائوية من قيمة المُنتَج تُسدّدها الشركات التي تستورد السلع الأجنبية للحكومة، ثم تُضيف تلك النسبة إلى سعر بيع المنتجات للمستهلكين، ويعتبر دونالد ترامب وفريقُهُ إن زيادة أسعار السلع المُستورَدَة بفعل زيادة التعريفات الرُّسُوم « سوف تشجع المستهلكين الأمريكيين على شراء المزيد من السلع المصنعة في الولايات المتحدة، ما يعزز اقتصاد البلاد وإيرادات الحكومة من الضرائب ».
أدان الإتحاد الأوروبي والحُلفاء الآخرون الرُّسُوم الجمركية الجديدة، التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوم الأربعاء 02 نيسان/ابريل 2025 كشكل من أشكال الحرب الإقتصادية العُدْوانية التي يتمثل ظاهرها في حِماية الإنتاج الامريكي من المنافسة الأجنبية، وتُشكّل هذه الإجراءات جُزْءًا من السياسة الخارجية العدوانية للولايات المتحدة التي تستهدف الحُلفاء، مثل الإتحاد الأوروبي وبريطانيا والدّنمارك، واليابان وتايلاند وأعضاء حلف شمال الأطلسي والجيران مثل كندا والمكسيك، والمنافسين مثل الصين، ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة، وبلدان أخرى مثل البرازيل وكولومبيا، واعتبر دونالد ترامب هذه الإجراءات الحمائية « الطريقة الوحيدة لإنعاش الصناعات المحلية وإنهاء العجز التجاري » لِيُبَرِّرَ فَرْضَ رُسُوم بنسبة 25% على السيارات المستوردة و20% على جميع الواردات الأخرى، لِجَمْعِ حوالي سبعمائة مليار دولار سنوياً من الرسوم الجمركية، وحاولت حكومات بعض الدّول الحليفة، مثل بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا وإيرلندا واليابان وكوريا الجنوبية التّفاوض للتوصل إلى مُفاهمات مع الولايات المتحدة التي لم تُعبّر حكومتها الإتحادية عن مرونة أو تراجع عن قراراتها، مما تسبّب في احتداد مواقف بعض الحلفاء، كأستراليا وكندا، وكذلك حكومات البرازيل والصّين، مع التّهديد باللجوء إلى منظمة التجارة العالمية، لأن الرسوم الجمركية الأميركية الجديدة «مُخالِفَة لقواعد التجارة الدولية… »، فيما حَذَر بعض خبراء الإقتصاد من احتمال إلحاق الضّرَر بالإقتصاد الدّولي ودخول الاقتصاد الأميركي في حالة ركود، وأَنْكَرَ ترامب إمكانية حدوث ركود نتيجة سياساته التجارية، فيما اعتبرت «غرفة التجارة الأميركية» والمجموعة المالية « غولدمان ساكس » أن هذه التدابير تُؤَدِّي إلى ارتفاع الأسعار والتّضخّم وركود مستوى الدّخل الحقيقي للمُستهلكين، بفعل ارتفاع أسعار الواردات الأمريكية ( المُقدّرة سنة 2024، بنحو 3,3 تريليونات دولارا )، وقد تُؤَدِّي هذه التدابير كذلك إلى تباطؤ الإقتصاد داخل الولايات المتحدة، وتوعّدت الدول المتضرّرة من الرُّسُوم الأمريكية الإضافية بفرض تعريفات مضادّة على الصادرات الأميركية، وأعلنت المديرة العامة لمنظمة التجارة العالمية إن الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب، قد تُقَلِّصُ تجارة البضائع حول العالم بنسبة 1% سنة 2025، وقد تُؤَدِّي إلى تصاعد التوترات التجارية، وإلى خَفْض النُّمُوّ الاقتصادي في كل مناطق العالم، واعتبَرَ الرئيس الصّيني إن الرئيس الأمريكي يتعمّد » تسييس قضايا التجارة وتسليحها » لأن الرسوم وصلت إلى 54% على الواردات الصينية، و34% على المنتجات الأوروبية، ونِسَب تتراوح بين 22% و10% على واردات الدّول الأخرى…
عندما اتخذ دونالد ترامب إجراءات مماثلة خلال ولايته الأولى سنة 2018، ارتفع العجز التجاري الأمريكي من 870 مليار دولار سنة 2018 إلى 1173 مليار دولار سنة 2022، وإلى 1203 مليارات دولار سنة 2024، وانخفضت القواردات قليلا سنة 2018، وخاصة سنة 2020 بسبب كوفيد، ثم ارتفعت لاحقًا، وارتفع التضخم، وضَعُفَ نمو الإيرادات الفيدرالية، وكانت التأثيرات ضارة بالإقتصاد الأمريكي، فيما استفادت منها الصّين التي ارتفعت مبيعاتها من الألواح الشمسية والطّائرات والأجهزة الطبية والهواتف والمواد الكيميائية والمنسوجات، بين سنتَيْ 2028 و 2019، حيث أثَّرت الرسوم خلال فترة إدارة ترامب الأولى على الواردات بقيمة ثلاثمائة مليار دولار، وتحايلت الشّركات على الحواجز الجمركية المفروضة، بإنشاء فروع لها في الولايات المتحدة لتجنب التعريفات الجمركية المرتفعة.
يُعتَبَرُ الإتّحاد الأوروبي أكبر سوق موحدة في العالم، مما يجعله قادرًا على إلحاق الضّرر بالولايات المتحدة، باستهداف السلع والخدمات، بما في ذلك « شركات التكنولوجيا الكبرى » مثل آبل وميتا، بإجراءات مضادة، وأعلنت مديرة صندوق النقد الدولي ( الخميس 03 نيسان/ابريل 2025) إن الرسوم الجمركية الشاملة التي أعلن عنها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأربعاء تشكل خطرا كبيرا على الاقتصاد العالمي في وقت يتباطأ فيه النمو ( …) من المهم تجنب الخطوات التي يمكن أن تلحق المزيد من الضرر بالإقتصاد العالمي… »
بعد إعلان دونالد ترامب، خسرت الأسواق 3 تريليونات دولار، خلال يوم واحد ( الثالث من نيسان/ابريل 2025)، وانخفض الدولار بنسبة 2,1% وأسعارالنفط الأمريكية بنسبة 6,6%، ويستخدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرُّسُوم الجمركية كأداة تفاوضية وكجزء من إستراتيجية تهدف إلى حماية الاقتصاد الأميركي وإعادة ترتيب قواعد التجارة العالمية بشروط جديدة تخدم الإقتصاد الأمريكي على مدى متوسّط وبعيد، في مواجهة الصين والاتحاد الأوروبي.
استوردت الولايات المتحدة سنة 2023 سلعاً بقيمة 3,1 تريليون دولار، وهو ما يعادل حوالي 11% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وتُشير الدّراسات الاقتصادية حول تأثير الرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها دونالد ترامب في ولايته الأولى بين سنتَيْ 2017 و2020 إلى أن المستهلكين الأمريكيين تحملوا معظم العبء الاقتصادي، وأجْرت جاماعة شيكاغو، خلال شهر أيلول/سبتمبر 2024، استطلاعاً سأل فيه مجموعة من خبراء الاقتصاد عما إذا كانوا يتفقون مع العبارة القائلة بأن « فرض الرسوم الجمركية يؤدي إلى تحمل المستهلكين في البلد الذي يفرض الرسوم الجمركية جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية، من خلال زيادات الأسعار »، ولم يعارض هذا الرأي سوى 2%، وقد تؤدّي الرسوم الجمركية الجديدة إلى انخفاض إجمالي دخل الأمريكيين الأثر فَقْرًا بنسبة 4% وخسارة كل أسرة مبلغًا يُعادل حوالي 1700 دولار سنوياً، وتقدّر المُؤسّسة البحْثِيّة « مركز التقدم الأمريكي الخسارة التي قد تتكبدها الأسرة ذات الدخل المتوسط بما يتراوح بين 2500 و3900 دولار، وأن هذه الرسوم لا تحمي أو تخلق فرص العمل المحلية في الولايات المتحدة، بل تؤدّي إلى فقدان الوظائف الصناعية في الولايات المتحدة لصالح بلدان ذات تكاليف عمالة أقل، فقد كان عُمّال الصّلب 84 ألف سنة 2018، وبعد فَرْض دونالد ترامب رسوماً جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب سنة 2018 لحماية المنتجين الأمريكيين، انخفض حجم إجمالي العمالة في هذا القطاع بأربعة آلاف عامل، إلى 80 ألف وظيفة سنة 2020…
الحرب الإقتصادية 2
تأسست شركة صناعة السيارات الصينية BYD سنة 1995 تحت إسم Yadi Electronics في « شنتشن » وكان مؤسها يرغب في صناعة بطاريات الهواتف، وبقيت الشركة تُوَرِّدُ العلامات التجارية العالمية مثل نوكيا وموتورولا، ثم اشترت شركة Xian Qinchuan Automobile، سنة 2003، وهي شركة صينية صغيرة لتصنيع المركبات الكهربائية، لتتمكّن من تركيب بطارياتها على سيارات ( XQA ) وفق شبكة ABC News التلفزيونية الأسترالية العامة.
في عام 2009، استثمر وارن بافيت 250 مليون دولار في شركة BYD سنة 2009، وكانت آنذاك تصنع وتبيع الحافلات الهَجينة للمجالس المَحَلِّيّة في الصين، وراهن مؤسس الشركة وانج تشوانفو على مستقبل السيارات الكهربائية وأكّدَ لصحيفة فاينانشيال تايمز أنها ستكون الشركة الأولى في صناعة السيارات بحلول سنة 2025، وهي السنة التي جعلتها الصين هدفًا لإنجاز خطّة « صنع في الصين 2025 » التي أقرّتها قبل عشر سنوات، وقررت حكومة الصين جعل السيارات الكهربائية أولوية استراتيجية، وخاصة في خطة « صنع في الصين 2025 ».
أصدرت شركة ( BYD ) خلال شهر شباط/فبراير 2025 بيانًا عن تطور جديد يمكن أن يعزز تفوقها التكنولوجي على Tesla وستتمكن نماذج سياراتها الكهربائية الجديدة من إعادة الشحن خلال خمس دقائق لمسافة تزيد عن 450 كيلومترًا، وهي أسرع بكثير من أفضل النماذج من مرسيدس أو تسلا، وتم التّأكد، يوم 30 آذار/مارس 2025 من تَفَوُّق شركة صناعة السيارات الصينية BYD على شركة تسلا لأول مرة لتصبح الشركة الرائدة في تصنيع السيارات الكهربائية في العالم، بنهاية سنة 2024، وتجاوزت قيمة شركة BYDحاجز المائة مليار دولار، فيما بلغت قيمة شركة Tesla 97,7 مليار دولار، ويُمثل السّوق المَحلِّي الصّيني نحو 87% من حجم مبيعات شركة ( BYD ) وتُعد تكلفة السيارة التي تصنعها شركة BYD أقل بنسبة 15% من تلك التي تصنعها شركة Tesla في الولايات المتحدة أو أوروبا، وفقًا لدراسة أجراها مصرف UBS ونشرت سنة 2023، وتعتمد الشركة على « البناء العامودي » أو « الرّأسي »، فتقوم ببناء السيارات والبطاريات ولديها إمكانية الوصول المباشر إلى المواد الخام، واستحوذت لهذا الغرض على حصص في مناجم الليثيوم الاستراتيجية في أمريكا الجنوبية…
لشركة ( BYD ) منافسين في السوق الصينية حيث وصلت المنافسة إلى حد بيع النماذج بسعر خمسة آلاف يورو، ومع ذلك فإن المبيعات لا تنمو بنفس السرعة كما في السابق، فيما عرقلت قرارات زيادة الرسوم الجمركية – في إطار الحرب التجارية الأمريكية – تطور المبيعات في الأسواق الدّولية، وسيتم حَظْر بيع السيارات المصنعة بمكونات صينية في الولايات المتحدة، ابتداءً من سنة 2027 ولذلك تُعوّل الشركات الصينية، مثل BYD على أسواق آسيا وأمريكا الجنوبية، غير إن السيارات الكهربائية في هذا النوع من البلدان ذات الكثافة السكانية المرتفعة مثل إندونيسيا أو البرازيل ليست شائعة كما هي الحال في أمريكا الشمالية أو أوروبا.
نمو اقتصاد الولايات المتحدة وتراجع اقتصاد أوروبا
استفادت الولايات المتحدة من الحرب العالمية الثانية لتتولى زمام المبادرة في مجال النمو والابتكار، بينما تقهقر دور الدول الأوروبية، وهناك مؤشرات مختلفة تشير إلى اتّساع فجوة النمو لصالح الولايات المتحدة، حتى سنة 2024، وفي مذكرة صدرت خلال شهر تموز/يوليو 2022، أشارت شركة الإستشارات « ماكينزي » إلى تسجيل الاتحاد الأوروبي على مدى عشر سنوات، بين 2010 و 2020، نمواً سنوياً متوسطاً في الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة 0,8%، أي نصف نمو الولايات المتحدة المُقدّر بنسبة 1,7% سنويًّا، وأكّدت بيانات البنك العالمي هذا التراجع الاقتصادي في بلدان منطقة اليورو، ففي سنة 2010، كان نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقاساً بالدولار الحالي أعلى بنسبة 30% في الولايات المتحدة مقارنة بمنطقة اليورو، وبعد مرور اثنتَيْ عشر سنة ( سنة 2022 ) تضاعفت الفجوة إلى أكثر من الضعف، إذ ارتفع الفارق إلى نسبة 87% في الولايات المتحدة مقارنة بمنطقة اليورو، وقدّرت صحيفة « وول ستريت جورنال » ( 17 تموز/يوليو 2023 ) إن أوروبا تتميز بشيخوخة السّكّان وبانخفاض إنتاجية العمل، وأصبحت أوروبا تواجه مشكلة الفقر السكاني المُطلق، حيث أصبح السكان الأوروبيون أفقر من الأميركيين بنسبة 80% من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.، بنهاية سنة 2024، وكان الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة اليورو يُعادل تقريبًا الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة، خلال سنة 2002، لكن تعمقت فجوة نصيب الفرد من الدّخل بنسبة 80% تقريبًا حيث يُقدّر الناتج الإجمالي لمنطقة اليورو ب15 تريليون دولارا ويبلغ عدد سكان المنطقة 450 مليون نسمة، فيما يُقدّر الناتج المحلي للولايات المتحدة بحوالي 27 تريليون دولارا، ويقدر عدد سكانها بـ 340 مليون نسمة.
استمرّ النمو الإقتصادي للولايات المتحدة بعد أزمة 2008 – 2009، بما في ذلك خلال جائحة كوفيد، فقد تم تعويض 50% من عجز الميزانية الفيدرالية من خلال إصدار ما بين 3 و 3,5 تريليونات دولارا، مع تعويضات سخية للشركات الأمريكية، وتمكّنت الولايات المتحدة من إقصاء أوروبي – أو إضعافها – من الأسواق، مثلما أقصت اليابان خلال العقد الأخير من القرن العشرين، فقد كان اليابانيون – سنة 1995 – أغنى من الأمريكيين بنسبة 50% في المتوسط، وأصبح الأمريكيون أغنى منهم بنسبة 140% سنة 2024. أما بخصوص أوروبا فقد تضرّر اقتصادها بسبب الأزمة المالية وبجائحة كوفيد، ثم بالحرب في أوكرانيا، واستفادت الصناديق الاستثمارية الأمريكية الضخمة – وهي أداة تستخدمها الحكومة الأمريكية بشكل مباشر- من هذه الأزمات، مما تسبب في ضُعْف الإتحاد الأوروبي وتراجع سيادته الإقتصادية، مع انخفاض نصيب الفرد الأوروبي من الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع نسبة الفقر – او الأشخاص المُعَرّضين لخطر الفقر والإقصاء – إلى أكثر من 21% ( أو حوالي 94,6 مليون شخص) من سكان الإتحاد الأوروبي بنهاية سنة 2023، ويستمر تدهور أوروبا بسبب الرّكود، فقد سجل اقتصاد منطقة اليورو نموا بنسبة 0,8% سنة 2024، وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي الصادرة في كانون الثاني/ يناير 2025، وخفض الصندوق توقعاته لهذا العام ( 2025) إلى 1%، أي بانخفاض 0,2 نقطة مائوية مقارنة بحسابات تشرين الأول/اكتوبر 2024، فضلا عن انخفاض الإنتاجية في أوروبا الذي أثّر على جميع قطاعات الاقتصاد، بما في ذلك التكنولوجيا، وورد في تقرير صندوق النقد الدّولي: « إن انخفاض الإنتاجية في أوروبا يؤثر على جميع القطاعات – التكنولوجية وغير التكنولوجية – بسبب انخفاض معدلات بدء الأعمال الجديدة وبطء نمو الشركات (…) وتمتد هذه المشاكل عبر المنطقة الأوروبية وتتفاقم بسبب قضايا أمن الطاقة والتفتت الاقتصادي، علاوة على ضُعف الإستثمار الخاص (… ) وأدّى ارتفاع أسعارالطاقة والضُّعف المستمر في قطاع الصناعة إلى إِضْعاف اقتصاد ألمانيا وإيطاليا وفرنسا… »
الطاهر المعز
-
صلاح شكيرو-متابعات عابر-.229 سايق الريح بالدبوس (الهراوة) (…) أنه زمن ترامب وزمن اليمين

متابعات عابر-.229 سايق الريح بالدبوس (الهراوة) (…) أنه زمن ترامب وزمن اليمين
متابعات عابرة.229 سايق الريح بالدبوس (الهراوة) (…) أنه زمن ترامب وزمن اليمين : صلاح شكيرو
واليمين المتطرف وزمن تفشي الفكر الكولونيا لي والغطرسة الفاشية الصهيونية وزمن والدونية. انه زمن بن غفير وسموت ريتش والنتن..ياهو في المشرق حيث عاثوا في الدنيا فسادا ووجعا. رئيس الحكومة الفاشي في جوهره وأزلامه يستأنفون الحرب على غزة في محيط تميز بظهور كل الازمات الداخلية لإسرائيل خاصة منها الأخيرة وما نجم على اقالة رئيس الشافاك وكذا الازمة الدستورية مع المستشارة القضائية للحكومة جراء محاولات الانقلاب على المؤسسة القضائية إلى جانب حالة اليأس وكل ما يحيط بذلك. أما حركة التمرد على مواصلة الحرب فقد باتت في تفشى متصاعد في صفوف المجندين والطيارين الرافضين لأداء الخدمة العسكرية ( بعد العريضة التي صدرت عن الطيارين العسكريين للمطالبة بإيقاف الحرب تلتها عريضة أخرى من جنود وضباط المدفعية يطالبون فيها بإيقاف الحرب وصدرت الأسبوع الماضي عريضة ثالثة هذه المرة من الأطباء في الجيش الإسرائيلي يطالبون كذلك بضرورة توقيف الحرب ورابعة من رجال الكوماندوس تطالب بنفس المطلب وتزايدت أعداد الموقعين على العرائض المطالبين بإيقاف الحرب الشاملة لكل القطاعات العسكرية). مثل ما ذكرنا في العدد السابق ذهب النتن..ياهو إلى البيت الأبيض مستدعيا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتفنن في التزلف والشكر والمجاملات والتطبيل والتهليل بإلحاح كبير لهبل ترامب وهوسه في الحرب الاقتصادية التي يشنها ضد العالم أجمع، لكن حدث ما لم يكن في حسبانه، حدث له نصف ما حدث للرئيس الاوكراني زيلا نسكي بحيث أعطاه ترامب نصف ما قام به إزاء الرئيس الاوكراني يوم ما بهدله أمام الكاميرات التلفزيونية. وعاد مكسور الجنحان يجر خيبة أمله من هذه الزيارة إلى البيت الأبيض وما كان ينتظره من استدعاء ترامب له، لم يتحصل على التنزيل في الضرائب التي يفرضها ترامب على العالم ولم يتحصل على ما كان يأمل من هذه الزيارة والعودة بموافقة ترامب على قصف المنشآت النووية الإيرانية، بل على العكس من ذلك عرف كأي ها الناس أن هناك مباحثات ومفاوضات تجري في مسقط في سلطنة عمان بين أمريكا وإيران بالإضافة إلى « الطلب الامر » الذي وجهه له الرئيس ترامب عندما قال له » لا أريد مشاكل مع تركيا. فأنا واردوغان صديقين » (وسنعود إلى هذا لاحقا.): « فإذا كانت لك مشاكل مع اردوغان قل ها لي وسأحلها. » لأن الاشكال المطروح أن تركيا متواجدة شمال سوريا (على الأراضي السورية) وإسرائيل تحتل جنوب سوريا. لذا تم التحذير من وجود إشكالات مع تركيا. فالنتن..ياهو ووزير الحرب في حكومته كات يقولان « لن نسمح لتركيا ببناء قواعد عسكرية في سوريا لأن هذا يشكل خطرا علينا ؟ ما هذا الهبل؟ وهذا التلاعب؟ وهذا الهذيان؟ صحيفة « معاريف » كتبت نهاية هذا الأسبوع تقول في هذا الشأن: « أن إسرائيل توجهت إلى تركيا تقول لها » صحيح أنك ترين أننا نُصَعِّد بتصريحات في لهجة حادة وتبدو الأمور بيننا مشتعلةً ولكننا لا نريد المواجهة معك (وسنلمس ذلك فعليا عندما نتناول موضوع هذا الرهط الذي يسمي نفسه خليفة المسلمين أو يحلم بذلك. أي أن إسرائيل تقول في النهاية إلى تركيا: « دعيك مما نقوله فالمواجهة نحن لا نريدها. » وكذلك تركيا التي قالت بدورها لإسرائيل: » نحن أيضا من جهتنا نرى ذلك، فأنتم تستمعون منا خطابات متشددة اللهجة من الرئيس اردوغان ولكن نحن أيضا لا نريد مواجهة معك. أي أن هذين الكيانين تبادلا الرسائل والصخب الكبير بينهما ولكن المواجهة فلا أحد منهما يريدها. وفي الأسبوع الماضي فقط كان اللقاء بين الطرفان اللذان يصرخان ويهاجمان ولكنهما لا ينويان أكثر من ذلك حسب قول الصحيفة. فاللقاء تم في أذربيجان وقد أوضحت إسرائيل خلال اللقاء بأن أي تغيير في انتشار القواعد العسكرية الأجنبية في سوريا مثل انشاء قاعدة عسكرية تركية في منطقة تدمر (جنوب سوريا) سيعد تجاوزاً للخطوط الحمراء بالنسبة لإسرائيل. كما جاء أيضا بأن الجانبان توصلا خلال لقاء أذربيجان إلى تفاهم بشأن آلية دائمة تمكن الاثنان من التحرك داخل سوريا بدون ما يحتكا. واتفقا على اجتماعات منظمة بينهما بدون ذكر التفاصيل عن هذه الاجتماعات وموعدها (أي متى تكون) وأين تكون؟ وحسب نفس الصحيفة فبالنسبة لإسرائيل لا حاجة أصلا لترتيبات أكثر من اللازم لأن إسرائيل تقصف في سوريا متى تريد وتنفذ هجمات بشكل شبه يومي. وإسرائيل لن تسمح للنظام السوري الجديد بأن تتعاظم قوته وأن يبني جيشا أي أن هناك اتفاقات واسرائيل لا تحتاج لهذه الاتفاقات لأنها لا تسأل عندما تقصف سوريا. وتختم صحيفة معاريف بالقول: » صحيح أن هناك عداء متصاعدا ظاهريا بين إسرائيل وتركيا الا أن إسرائيل ترى تركيا لاعبا عقلاني(؟) فإسرائيل وتركيا خصمان ولكن ليس هناك حرب قائمة بينهما، إسرائيل لا تمانع بترميم العلاقة مع تركيا ولكن اردوغان غير مستعجل لترميم هذه العلاقة. ولكنه هو كذلك لا يريد مواجهة. ولهذا سنبقى كاسرائيل نستبيح الأراضي السورية ومع تركيا اتفقنا على الخطوط العريضة للأمر، ولا قلق بأن تتصعد الأمور لأن التصريحات من الطرفين مهما كانت ضراوتها وقوتها فلا مجال لتجسيدها على الأرض والواقع. هذا ما انفردت به صحيفة معاريف. أما باقي الاعلام الإسرائيلي فلقد تناقل الخبر الذي سربته صحيفة نيويورك تايمز عن منع ترامب النتن..ياهو من قصف ايران وهو الذي امر طيران إسرائيل بالشروع في الاعداد والتدريبات على أساس أن القصف سيكون في مدخل الشهر القادم. النتن..ياهو لم يعلق على الخبر ولم يفنده ولم يؤكده وموقفه هذا يعني أن الخبر صحيحا لأنه ان لم يكن كذلك لقال أن الخبر غير صحيح وانتهى. وجريدة نيويورك تايمز جاءت بالخبر وبكل التفاصيل المسربة ما لا يدع مجالا للشك أن النتن..ياهو هو الذي سرب الخبر خلسة ليقول للإسرائيليين انني اريد ان امحي الخطر الإيراني لكنهم لم يتركوني ولم يسمحوا لي وقد منعني ترامب من ذلك. هذا من جهة، ولقد جاء في التسريب ما مفاده كذلك أن المنشآت النووية الإيرانية ليست مجملة في مكان واحد بل هي متفرقة ومبعثرة في أماكن كثيرة مما يصعب تدميرها والقضاء على البرنامج النووي الإيراني. ويحدث كل هذا مع المساعي المصعورة للنتن..ياهو ولهفه على القيام بأي شيء لإفشال واتلاف المفاوضات بين أمريكا وايران ايران في مسقط (سلطنة عمان). فهو يعتزم التضحية بعدد من الجنود والخبراء والمختصين الذين ينوي ارسالهم (متسللين) إلى إيران لتدمير المنشآت النووية الإيرانية. هذا مع التذكير أن النتن..ياهو على مرمى حجر لتحقيق حلمه في تحويل دولة الكيان إلى دولة فاشية على الإسرائيليين انفسهم (لأنها بالنسبة للفلسطينيين فقد ظلت فاشية منذ زمان) هذا الوضع جعل الإسرائيليين في حالة قلق وخوفٍ من هذا الانزلاق الخطير على كيانهم لأن ما يهم النتن..ياهو هو بقاؤه في الحكم ولهذا نراه هذه الأيام مرعوبا من سقوط حكومته ويستجيب لكل ما يطلبه بن غفير وسموتريتش اللذان يساومانه مهددين بالخروج من الحكومة في حالة خروج الجيش وانسحابه من محور فيلادلفيا ونتصارم وفي حالة المرور إلى المرحلة الثانية من الصفقة. خروجهما من الحكومة يعني سقوطها ودخول النتن..ياهو السجن. وأما فيما يخص اردوغان فلقد خطر في ذهني ما قاله فيه سياسي انجليزي اسمه جورج قالوواي بمرارة وسخرية حيث قال « أرى أن اردوغان سيلتحق ببشار الأسد في منفاه في روسيا » طبعا السياسي البريطاني هذا حاول تغطية الشمس بالغربال أو أنه يسخر من نفسه لأن ما يقوله درب شاسع من الحقيقة وبعيد عن الواقع. لأن المنفى الطبيعي لأردوغان والاقرب اليه واللائق به هي تل ابيب والدوحة التي تفتح ذراعيها لكل حلفائها الحقيقيين. ولكنني أرى أن اردوغان ليس ابدا القائد الاسلامي كما يدعي ذلك لنفسه أو يحلم بذلك. إن لأردوغان أكبر حصيلة مع الكيان الصهيوني وملف علاقته بهذا الكيان أثقل من وزنه. ولقد انتقيت من ملف علاقته هذه بعض رؤوس الاقلام ألخصها في التالي: ° اردوغان هو الرئيس المسلم الوحيد الذي فاز ومُنِحَ « ميدالية الشجاعة اليهودية » منحها له اللوبي الصهيوني. °الرئيس اردوغان هو الرئيس الوحيد الذي زار إسرائيل خمس مرات وترحم على ضريح هيرتزل مؤسس الحركة الصهيونية. ° خلال فترة حكمه وقعت تركيا على 60 اتفاقية مع إسرائيل وبلغ حجم التبادل التجاري بين تركيا وإسرائيل 9 كليار دولار سنويا. ° وفي عهده يدخل الإسرائيليون إلى تركيا بدون تأشيرة (فيزا) بينما يشبع الفلسطينيون شماتةً في طوابير الانتظار أمام أبواب والقنصليات التركية. °يقع ثاني أضخم مصنع للأسلحة الإسرائيلي في العالم في تركيا ولم يغلق ولا يوما واحدا بالرغم من الصيحات والصراخات المناصرة لغزة. ° بينما تغلق البلدان العربية موانئها في وجه السفن الإسرائيلية وبواخرها تضمن تركيا تموينها لإسرائيل عبر البحر. °أما داخل تركيا البلد الإسلامي الذي يرأسه الخليفة الإسلامي (الخلافة العثمانية الجديدة) توجد 20 ألف دار بغاء ودعارة قانونية بمدخول يقارب 4 مليار دولار للسنة. هذه هي الخلافة الاسلامية الجديدة التي تسعى إلى احيائها ودعمها أمريكا من خلال جمع كل بلدان « تان » في أوروبا الوسطى (أفغانستان وأذربيجان وتركستان الخ…) لكي تكون منطقة تصادم ومنطقة فصل في وجه روسيا وفي وجه انتشار التأثير الصيني وتواجده في العالم العربي وافريقيا أي في تصدي وحاجز على مسار طريق الحرير. بعد هذه الإشارات المركزة فإن كل من يظل يعتبر هذا الرهط (الكلمة تركية) من المنتسبين للدين الإسلامي ويعطونه الغطاء الديني ويلبسونه قفطان الإسلام فلابد له بمراجعة مؤهلاته وقدراته في التمييز واحتكامه للعقل. فما رأي خباز لندن زيطوط وجماعته في ذللك؟ …يتبع… بالرغم من أن الحكاية مستوحاة من شخصيات وأحداث حقيقية إلا أن الكاتب لجأ للسرد الروائي بغرض الترفيه. مونتريال، صلاح شكيرو
صلاح شكيرو
-
Nora Hoppe-Que signifie le progrès humain aujourd’hui ?

Que signifie le progrès humain aujourd’hui ? par Nora Hoppe
« Comme j’en ai eu assez des diables et des sauvageons, j’ai envie d’un vrai humain. »
par Nora Hoppe – Al MayadeenLe fait que notre planète, à notre époque, soit le foyer d’un génocide – visible par tous les êtres humains sur des appareils personnels dans le monde entier – une abomination permanente, sans entrave par aucun organisme international, par aucune organisation intergouvernementale ou même par ces nobles États qui prétendent vouloir construire un monde nouveau et plus juste… Cela en dit long sur notre évolution en tant qu’espèce et potentiellement sur l’avenir de notre civilisation.

Nous sommes maintenant face à une bifurcation : un chemin clair et large mène à la destruction et à la ruine ; l’autre doit conduire à un monde nouveau et harmonieux… Mais elle est tortueuse, pierreuse, vague et enveloppée de brouillard.
Comme une victime frénétique dans des sables mouvants, agitant les bras en vain, la frénésie d’un Empire en déclin ne fait que hâter sa propre disparition. Il a choisi le chemin qui mène à la ruine et à son propre suicide… Et il a de nombreux adeptes, en particulier dans son appendice morbide – l’entité sioniste – et dans le reste du monde occidental. Les symptômes de cette pulsion nécrotique sont visibles dans les Guerres Éternelles ; un système économique autodestructeur, basé sur une cupidité insatiable et une ignorance volontaire ; la destruction de la société, de la famille, des rituels et des traditions ; et, essentiellement, un mépris total pour tout ce qui est naturel et vivant… Ces signes proviennent d’un état de mécontentement et de peur permanente, qui finit par conduire à l’autodestruction.
Et maintenant… même si l’hégémon d’aujourd’hui, les États-Unis – construits sur le génocide et l’esclavage – ont déclenché d’innombrables guerres depuis leur création, et que l’Europe a massacré et pillé la planète pendant plus de 500 ans à cause de sa rapacité sans fin… Ce n’est plus seulement une question de géographie. Le cœur du problème de notre civilisation humaine aujourd’hui est la mentalité occidentale et le système du capitalisme financiarisé, qui ont infecté le monde entier à des degrés divers… à quelques exceptions près.
La majorité mondiale reste incapable de se libérer du joug de l’Occident colonialiste en raison de la corruption, de la dépendance, des pressions sociales et du manque de soutien des États pour éclairer les citoyens sur leur passé et leur histoire.
La mythologisation et l’émulation du monde occidental sont devenues si profondément enracinées dans la moelle de beaucoup pendant tant de siècles… qu’un processus de décolonisation prendra beaucoup de temps. Et peu de choses ont été faites officiellement à cette fin. Les États BRICS+ prometteurs se concentrent principalement sur le commerce, la croissance économique et l’innovation de haute technologie.
Pour éviter la voie occidentale vers la dévastation et la ruine de la société et pour libérer l’autre voie du brouillard, nous, de la majorité mondiale, devons clarifier de nombreux domaines… Nous devrons peut-être apporter des changements sismiques à notre façon de penser. Nous pouvons commencer par nous interroger sur nos définitions des termes fondamentaux… Tels que : qu’est-ce que le « développement », qu’est-ce que la « croissance », qu’est-ce que la « prospérité », qu’est-ce que le « progrès » ? Toute croissance n’est pas bénéfique, comme c’est le cas des métastases malignes. Aujourd’hui, la « croissance positive » se réfère principalement aux questions monétaires – BDP, RNB, PPP. Qu’est-ce que le « progrès » ? Le progrès aujourd’hui se réfère avant tout aux innovations technologiques. Et il est certainement essentiel que les peuples sortent de la pauvreté, comme la Chine a réussi à le faire… Mais quel est le genre de « prospérité » que l’humanité aimerait atteindre ?
Aujourd’hui, dans ce monde postmoderne, on parle peu de développement, de croissance, de prospérité et de progrès en ce qui concerne les questions intangibles…
Ce ne sont pas seulement l’éducation, les arts et les cultures du monde qui sont tombés dans la stagnation, mais bien sûr aussi l’éthique et les systèmes de valeurs d’États et de sociétés entiers… sans parler de la conscience de la majorité de l’humanité.
Sinon, comment le génocide pourrait-il devenir monnaie courante ? Sinon, comment les atrocités pourraient-elles devenir un spectacle quotidien tolérable dans le monde entier ? Sinon, comment deux dirigeants génocidaires peuvent-ils se rencontrer et parler si avidement de leurs « projets immobiliers » pour leur camp de concentration comme s’ils avaient une conversation normale ? Sinon, comment aurions-nous tous pu devenir un public mondial pour une famine orchestrée ? Sinon, comment tant d’États européens et l’autorité de contrôle des frontières de l’UE « Frontex » pourraient-ils devenir les clients d’armes « testées au combat » (« ogives » à Gaza) par Elbit Systems (« la plus grande entreprise d’armement d’Israël ») qui fabrique des drones de surveillance et des tourelles télécommandées pour véhicules blindés afin de permettre aux soldats européens d’éviter toute responsabilité et mauvaise conscience lorsque des réfugiés ciblés sont tués par des techniciens anonymes situé dans des bureaux distants ? Sinon, comment les pays européens pourraient-ils permettre que leurs épisodes historiques de génocide contre les Juifs soient « révisés » et mystifiés par l’entité sioniste à des fins commerciales israéliennes ? Sinon, comment le droit international pourrait-il être foulé aux pieds sans résistance ? Sinon, comment les mensonges en série et la violation constante des constitutions et des accords pourraient-ils devenir acceptables ? Sinon, comment les citoyens de ces États, qui se vantent de leur « liberté d’expression » et de leurs « valeurs occidentales », pourraient-ils permettre à leurs États d’en arriver au point où ils criminalisent aujourd’hui les manifestants qui défendent les droits de l’homme ?
Outre les personnes directement impliquées dans les luttes pour leur survie (à Gaza, en Syrie, au Liban et ailleurs), les braves soldats qui luttent contre le nazisme, les journalistes engagés qui risquent leur vie sur les lignes de front et les militants qui risquent leur profession pour protester contre le génocide… Où se trouve le reste du monde ?
Certains États condamnent le génocide en cours mais ne prennent aucune mesure, parce que… Parce que c’est… compliqué.
Néanmoins… nous avons une exception : les Ansarallah du Yémen. Il n’y a rien de compliqué dans leur action résolue : il s’agit simplement d’une question de priorités.
Pourquoi la majorité d’un peuple originaire de l’un des pays les plus pauvres (peut-être les plus pauvres) de la planète consacrerait-il la majeure partie de son énergie, de ses maigres ressources et de ses convictions à risquer sa vie pour défendre un autre peuple, qui n’est pas directement lié à lui et qui se trouve dans un pays éloigné (estimé à 2 270 kilomètres) ? Qu’est-ce qui unit ces gens dans cet objectif ? Et quelles pourraient être LEURS définitions du « développement », de la « croissance », de la « prospérité » et du « progrès » ?

Carrefour de diverses civilisations depuis au moins 7 000 ans, la grande civilisation du Yémen a connu, au fil des siècles, d’innombrables invasions, batailles féroces, dynasties usurpatrices et occupations coloniales par ceux qui n’ont cessé de chercher à piller, conquérir et contrôler ce territoire précieux, très développé, riche en ressources et « géographiquement optimal ».
Dans les années 1990, après une longue période de difficultés économiques dues en partie à l’oppression persistante de l’Arabie saoudite et en particulier au refus du Yémen de rejoindre la coalition militaire américano-saoudienne contre l’Irak, un mouvement populaire zaïdite a émergé dans le nord du Yémen – connu sous le nom de Muntada al-Shabab al-Mu’min (« Jeunesse croyante ») – qui offrait des programmes sociaux à la population appauvrie de la région. Le mouvement couronné de succès s’est développé et s’est rapidement transformé en Ansarallah (« Partisans de Dieu ») qui ont mené six guerres contre le régime de Saleh, soutenu par l’Arabie saoudite et l’Occident, entre 2004 et 2010.
Aujourd’hui, malgré des décennies de privations, les Ansarallah restent inébranlables dans leurs objectifs de justice, dans leur lutte pour la libération de la Palestine et pour l’amélioration de leur pays. Pour atteindre ces objectifs, ils n’ont pas besoin de « prospérité monétaire » et d’un État financiarisé. Dans toutes leurs opérations, ils font preuve de solidarité et d’unité entre eux. Ils ne se laissent pas intimider. Ils sont prêts à mourir pour leurs croyances et leurs principes.
Dans leurs discours et discussions filmés, le comportement des Ansarallah est visiblement marqué par la confiance, la sérénité, la grâce, l’équilibre, la modestie… Au cours de la troisième Conférence internationale « La Palestine, la cause centrale de la nation », ils ont fait preuve de gentillesse, de générosité et d’hospitalité en accueillant des invités étrangers, même ceux provenant d’« États hostiles ».
À eux seuls, ils ont perturbé la dynamique de la puissance maritime mondiale. S’appuyant sur l’expertise de leurs spécialistes, ils produisent eux-mêmes des armes… Le principal acheteur d’armes du Pentagone américain, Bill LaPlante, a exprimé son inquiétude face à la sophistication de ces armes : « Ce que j’ai vu de ce qu’Ansar Allah a fait au cours des six derniers mois est choquant. »

Dans son article Factors Behind Yemen’s Valiant Resistance, le journaliste et analyste politique Ayman Ahmed décrit comment les Ansarallah « ont réussi à modifier les tactiques militaires conventionnelles de manière très peu conventionnelle » en adoptant une approche axée sur la guérilla : se déplaçant à pied sur un terrain hostile en petits groupes mobiles, leurs chefs de groupe improvisant souvent des tactiques sur place et utilisant peu ou pas d’appareil électronique… « Leur utilisation de drones dans des opérations de quasi-guérilla met en évidence la façon dont les Yéménites ont réussi à bloquer les défenses aériennes saoudiennes d’une valeur de plusieurs milliards de dollars… […] « Le régime saoudien n’a pas été en mesure de remporter une victoire militaire majeure, bien qu’il possède d’importants stocks d’armes fournis par les principaux marchands d’armes du monde. »
Mais leur atout le plus fort est leur motivation et leur détermination à poursuivre « une vie digne et un niveau de vie pour les citoyens yéménites, la protection de l’indépendance de la nation et la poursuite de la paix mondiale et d’une coopération égale appropriée avec les autres pays du monde » – comme écrit dans leur « Vision nationale pour l’État yéménite moderne« . Grâce à cela, ils ont gagné le soutien des masses dans tous les segments de la société.

Comme l’a écrit Rune Agerhus, analyste politique et membre de la Commission internationale de solidarité avec le Yémen : « Ce qu’Ansarallah a réussi à établir, face à la guerre, à la faim et à un blocus paralysant, c’est un système que l’on pourrait décrire comme similaire à l’autogestion des travailleurs yougoslaves. » « Les terres agricoles et la production sont contrôlées par des coopératives, qui sont entièrement détenues et administrées par des agriculteurs yéménites. » La défense du Yémen dans son ensemble se déroule sur deux fronts : « le front de la bataille et le front du développement ».
Le système adopté par Ansarallah est l’antithèse du capitalisme contemporain. (N’oubliez pas : le Yémen avait déjà fait l’expérience du socialisme lorsque son territoire du sud – un État séparé en 1967-1990 – a finalement formé un gouvernement marxiste-léniniste après des décennies de domination coloniale britannique rapace sur la région.)

Dans notre monde globalisé, postmoderne, obsédé par la technologie, dominé par les normes occidentales, les technocrates et le marché, et poussé par une ignorance de l’histoire et une limitation du raisonnement indépendant, Ansarallah semble à beaucoup arriéré et sauvage au pire, étrange et exotique au mieux…
Différentes personnes peuvent avoir des opinions différentes sur les Ansarallah et les jugeront en conséquence… mais les ACTIONS entreprises par ces personnes pour défendre un autre peuple qui souffre d’un génocide, surtout au vu de leur situation, parlent d’elles-mêmes… plus fort que n’importe quel beau mot.
Le 10 avril 2025, sous les bombardements incessants de l’hégémon barbare, le leader d’Ansarallah, Sayyed Abdul-Malik al-Houthi, a lancé un autre appel urgent au monde… de venir en aide au peuple palestinien et de prendre conscience de notre responsabilité éthique en tant que partie d’une humanité collective. Qui écoute ? Où est la « communauté mondiale » ?
* * *
Après tant de millénaires de civilisation humaine, quel est le « progrès » que nous réalisons en tant qu’espèce à notre époque moderne ?
-
نداء لينين الذي وقّعه ستالين إلى مسلمي روسيا والشرق

نداء لينين الذي وقّعه ستالين إلى مسلمي روسيا والشرق
تعريب وإعداد: د. أسامة دليقان
نعرض أدناه نصّ النداء الذي وجّهه لينين وستالين باسم مجلس مفوضي الشعب بعد الثورة البلشفية إلى مسلمي روسيا والشرق في 7 كانون الأول 1917. ولكن قبل ذلك من المفيد التذكير بتاريخ اتفاقية سايكس-بيكو الاستعمارية السرّية التي قسّمت شرقنا العظيم، حيث ترد في نداء لينين وستالين هذا إشارةٌ إلى فضح البلاشفة واستنكارهم لهذه الاتفاقية.
موجز لتاريخ سايكس-بيكو
كانت الغالبية العظمى من الدول العربية ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية، لأربعة قرون منذ بداية القرن السادس عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، بينما وقع الجزء الغربي من الشرق العربي تحت سيطرة القوى الاستعمارية (بريطانيا وفرنسا).
في عام 1916، اتفقت لندن وباريس سرّاً على التقسيم المستقبلي للجزء الآسيوي من الأراضي العربية التابعة لسلطان الدولة العثمانية، بحيث كان مقرراً أن تصبح الولايات العربية للإمبراطورية العثمانية بعد هزيمتها تحت انتداب هذه الدول. ودخل السياسي الإنكليزي، السير مارك سايكس، والدبلوماسي الفرنسي، فرانسوا جورج بيكو، التاريخ الاستعماري الأسود بوضعهما النسخة الأولى لهذا التقسيم الاستعماري.
بدأ سايكس السفر إلى الشرق الأوسط في وقت مبكر من حياته في سن 11 عاماً مع والديه – السير تيتون غريب الأطوار، ووالدته جيسيكا المدمنة على شرب الكحول. وشغل سايكس منصب الملحق في السفارة البريطانية في القسطنطينية.
أما فرنسوا جورج بيكو، وفقاً لأحد الكتاب الإنكليز، فكان يؤمن بـ«الواجب الحضاري» لفرنسا. حتى أنه قبل الحرب العالمية الأولى خدم كقنصل في بيروت، وحافظ على اتصالات نشطة مع القوميين العرب. ولكنه كما سايكس، كان مقتنعاً بغطرسة، بأنّ شعوب المنطقة غير ناضجة بما فيه الكفاية لإدارة أراضيها.
في عام 1915، تم تكليف هذين المهندسين الاستعماريين برسم حدود القوتين العظميين في الولايات العربية الخاضعة للحكم العثماني، وفي تشرين الثاني لعام 1915، قاما برسم خط مستقيم على الرمال بين مدينة عكا الفلسطينية بالقرب من حيفا على البحر المتوسط، ومدينة كركوك في شمال العراق، وعرف هذا الخط باسم خط «E – K» ، وحرف (E) كان مأخوذاً من الحرف الأخير من الاسم الإنكليزي لمدينة عكا والحرف الثاني هو الأول في اسم مدينة كركوك، وإلى الجنوب من هذا الخط، كان يقع نطاق سيادة إنكلترا، وإلى الشمال فرنسا. ولم تلتزم إنكلترا بوعدها لملك الحجاز، الشريف حسين، الذي قدم من قبل المفوض السامي -حاكم مصر، السير هنري مكماهون- بدعم مشروع إنشاء دولة عربية واحدة في المشرق (الجزء الشرقي من العالم العربي)، مقابل مشاركته في الحرب ضد الأتراك.
وقّعت اتفاقية سايكس-بيكو يوم 16 أيار من عام 1916، ولكن حدود تقسيم المشرق تم إنجازها في وقت لاحق؛ في مؤتمر باريس للسلام (18 كانون الثاني 1919 إلى 21 كانون الثاني 1920)، وفي معاهدة «سيفر» الموقعة يوم 10 آب 1920، وفي مؤتمر «سان ريمو» 19-26 نيسان 1920 في لوزان.
كما أصبح «وعد بلفور» جزءاً من خطة الإدارة الإنكلوفرنسية للمشرق. وفي الرسالة المؤرخة بتاريخ 2 تشرين الثاني، من وزير الخارجية البريطاني، السير آرثر بلفور، إلى اللورد روتشيلد لمنح الاتحاد الصهيوني موافقة لندن على مشروع «إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين».نصّ نداء لينين وستالين
أيها الرفاق! أيها الإخوة!
تجري أحداث عظيمة في روسيا. وتقتربُ نهاية الحرب الدموية التي بدأت بهدف تقسيم الأراضي الأخرى. إنّ حكم اللصوص والمستعبِدين لشعوب الأرض على وشك الانتهاء. تحت ضربات الثورة الروسية ينهار العالَم القديم من العبودية والقنانة… يولَدُ عالَمٌ جديد، عالَمُ العمّال والأحرار. إن حكومة العمال والفلاحين في روسيا، ومجلس مفوّضي الشعب، تقف على رأس هذه الثورة.
إنّ روسيا كلّها مزروعة بمجالس العمال والجنود والفلاحين الثورية. والسلطة في البلاد في أيدي الشعب. إنّ الشعب العامل في روسيا لديه رغبةٌ واحدة ملحّة – تحقيق السّلام المشرِّف ومساعدة الشعوب المضطهَدة في العالَم على النضال من أجل حريتها.
إنّ روسيا ليست وحدها في هذه المهمّة المقدَّسة. إنّ نداء الحرية الذي أطلقتْه الثورة الروسية يصل إلى جميع عمّال الشرق والغرب. إنّ الشعوب المنهَكة المتحاربة في أوروبا تمدّ أيديها إلينا بالفعل، نحن الذين نصنع السلام. إنّ عمال وجنود الغرب يتجمّعون بالفعل تحت راية الاشتراكية، ويقتحمون معقل الإمبريالية. والهند البعيدة، التي اضطهدها «المستنيرون» الغزاة الأوروبيّون لقرونٍ من الزمان، ترفع الآن رايةَ الثورة، وتنظّم مجالسَ نوابها، وترمي العبودية المكروهة من على أكتافها، وتستدعي شعوب الشرق إلى النضال من أجل التحرير…
وفي مواجهة هذه الأحداث العظيمة، نتوجَّه إليكم، أيّها المسلمون الكادحون والمحرومون في روسيا والشرق.
مسلمو روسيا، والتتار في الفولغا والقرم، والقرغيز، والسارت في سيبيريا وتركستان، والأتراك والتتار فيما وراء القوقاز، والشيشان والجبليّون في القوقاز – كل أولئك الذين دُمِّرَتْ مساجدُهم وكنائسُهم، وتمّ الدوس على معتقداتهم وعاداتهم تحت أقدام قياصرة روسيا ومضطهديها!
ومن الآن فصاعداً، أصبحت معتقداتكم وعاداتكم ومؤسساتكم الوطنية والثقافية حرةً وغير قابلة للانتهاك. ابنوا حياتكم الوطنية بحرية ودون عوائق. إنكم تملكون الحقّ في ذلك. واعلموا أنّ حقوقكم، وكذلك حقوق جميع شعوب روسيا، محميّةٌ من قبل مجالس نوّاب العمال والجنود والفلاحين.
دافعوا عن هذه الثورة وحكومتها المفوَّضة!
يا مسلمي الشرق، والفرس، والأتراك، والعرب، والهندوس، وكلّ أولئك الذين قايَضَهم لصوصُ أوروبا الجشعون على حياتهم وممتلكاتهم وحرّيتهم وأرضهم لقرونٍ من الزمان – كلّ أولئك الذين يريد اللصوص الذين بدأوا الحرب تقسيمَ بلادهم!
إنّنا نعلنُ أنَّ المعاهدات السرّية التي أبرمَها القيصر المخلوع بشأن الاستيلاء على القسطنطينية، والتي أكّدَتها حكومة كيرينسكي المخلوعة، باطلةٌ ولاغية. إنّ الجمهورية الروسية وحكومتها، مجلس مفوضي الشعب، تعارضُ الاستيلاءَ على الأراضي الأجنبية؛ يجب أنْ تظلَّ القسطنطينية في أيدي المسلمين.
إننا نعلن أنّ المعاهدة الخاصة بتقسيم بلاد فارس باطلة ولاغية. وبمجرّد انتهاء العمليات العسكريّة، سوف تنسحب القوّات من بلاد فارس، وسوف يُضمَنُ للفرس الحقُّ في اختيار مصيرهم بحرية.
إنّنا نعلنُ أنَّ المعاهدة الخاصة بتقسيم تركيا وانتزاع أرمينيا منها باطلةٌ ولاغية. وبمجرد انتهاء العمليات العسكرية، سوف يُضمن للأرمن الحقّ في تقرير مصيرهم السياسي بحرية.
إن العبودية تنتظركم ليس على أيدي روسيا وحكومتها الثورية، بل على أيدي لصوص الإمبريالية الأوروبية، أولئك الذين حوّلوا وطننا إلى «مستعمَرة» مُغتَصبة ومنهوبة.
تخلّصوا من هؤلاء اللّصوص والمستعبِدين لبلادكم. الآن وقد هدَمَت الحرب والخرابُ بنيةَ العالَم القديم، وفي الوقت الذي يشتعل فيه العالم كلُّه بالغضب المحتدِم ضدّ اللّصوص الإمبرياليّين، وفي الوقت الذي تتحوَّلُ فيه كلُّ شرارة تمرُّدٍ إلى شعلة ثورة عظيمة، وفي الوقت الذي يبدأ فيه حتى المسلمون الهنود، المنهكون والمتألّمون تحت النِّير الأجنبيّ، في التمرّد ضدَّ مضطهِديهم ـ الآن أصبح من المستحيل الصَّمت. لا تضيّعوا أيَّ وقتٍ حتّى التخلّص من المستعبِدين لأرضنا منذ قرون من على أكتافهم. لا تسمحوا لهم بعد الآن بسرقة أوطانكم الأصلية. أنتم أنفسكم يجب أن تكونوا سادة بلدكم. أنتم أنفسكم يجب أن تبنوا حياتكم بطريقتكم الخاصة ووفقاً لرغباتكم الخاصة. هذا حقكم، لأن مصيركم بين أيديكم.
أيّها الرفاق! أيّها الإخوة!
فلنناضلْ بحزمٍ وحسمٍ من أجل سلامٍ ديمقراطيٍّ شريف.
ونعلن على راياتنا تحريرَ الشعوب المضطهدة في العالم.
يا مسلمي روسيا!
أيها المسلمون في الشرق!
إننا ننتظر تعاطفكم ودعمكم في هذه القضية المتمثلة في بناء عالَم جديد.
[التواقيع]:
جوغاشفيلي (ستالين)، مفوَّض الشعب لشؤون القوميات.
ف. أوليانوف (لينين)، رئيس مجلس مفوَّضي الشعب.- المصدر: الطبعة الإنكليزية لكتاب «اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفييتية، ستون عاماً من الاتحاد، 1922–1982» (موسكو: دار التقدّم، 1982)، ص 35. والتي بدورها نقلت عن المصدر الأصلي: صحيفة إزفستيا، العدد 232، 7 كانون الأول (ديسمبر) 1917، ص1-2.
العدد رقم:1194
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Keiko, Londres
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Sarah, New York
« Commencer mon rôle en tant qu’administrateur WordPress a été un plaisir, grâce à son interface intuitive, sa gestion des médias, sa sécurité et son intégration des extensions, rendant la création de sites Web un jeu d’enfant. »
– Olivia, Paris